|
عكاظ – العدد 13298 |
|
اتفاقيات سرية ودعايات وضحايا
بالجملة |
|
|
|
علم الدجل والشعوذة لا يقتصر على ممارسة الأكاذيب واستغلال الناس داخل أوكار الدجالين والمشعوذين فقط .. ولكن يمتد إلى استغلالهم بطرق أخرى في ظل انتشار العقلية الخرافية وتفشي الجهل بين الناس وضعف الإيمان بالقضاء والقدر . الدجالون والمشعوذون تمكنوا بمقدرتهم على التحايل على الناس من مسخ التاريخ الطويل للطب الشعبي والعلاج والتداوي بالأعشاب وحولوا الأسواق الشعبية ومحلات العطارة إلى وسائل دعم لرواج تجارتهم ومن باب " يا بخت من نفع واستنفع " حولوا هذه الأسواق إلى دكاكين توفر لهم موادهم الأولية لاستخدامها في ممارستهم القذرة واستغلال الناس لحبك التسلسل الدرامي للإيقاع بالضحية ، ووجدوا في هذه الأسواق مرتعاً خصباً لدعم أساليب دجلهم وشعوذتهم .. في هذه الحلقة من " المسكوت عنه " نقف بكم على أبعاد هذه الظاهرة وندخل معكم إلى داخل هذه الأسواق لنكشف معكم عجائب وغرائب هذا العالم الموبوء والمليء بالأكاذيب والدجل والضحك على الذقون ..
أكثر زبائن هذه الأسواق من النساء اللاتي يبحثن عن العلاج
مـسـخ الـتـاريـخ الـطـويـل
ومما يؤكد تحول الكثير من الأسواق الشعبية ومحلات العطارة من مجرد محلات وأسواق تبيع البخور والعطور وغيرها من مواد الطهي كالبهارات وغيرها إلى أسواق ومحلات لتوفير المواد الأولية للدجالين والمشعوذين ما تشاهده في هذه الأسواق من مواد لا تستخدم في غير تحضير الجان وأعمال السحر واستغلال الجهلاء والعوام في أسوأ صور الاستغلال ، ويكفيك مجرد الوقوف في أحد المحلات هذه لتسمع بنفسك العجب العجاب ، فهذه سيدة عاقر أرسلها الدجال لتشتري مواد خاصة لتمكنها من الإنجاب بعد سنوات طويلة من العقم ، وهذا رجل يبحث عن مواد طاردة للأرواح الشريرة والعفاريت ، وآخر يسأل عن الزئبق ليطعمه الدجال للجان ليكشفوا له عن كنز مخبأ منذ آلاف السنين وآخر يبحث عن عشبه تشفي من مرض خبيث . لقد تحولت الأسواق الشعبية في الوطن العربي رغم تاريخها الطويل الذي برز من خلاله الكثير من الأطباء العرب إلى مرتع للدجالين والمشعوذين الذين يقتاتون على أوجاع الناس وآلامهم وحاجتهم ، ليس الجهلاء والعوام فقط بل إنك تكتشف حجم الكارثة عندما تشاهد نسبة لا بأس بها من المتعلمين والواعيين الذين دفع بهم اليأس للأسف الشديد إلى الوقوع فريسة للدجالين والمشعوذين .
العطارون يعرفون مواد السحرة ومع ذلك يبيعونها بدون حرج – لسان نمر أخرس .. بعرة فأرة أرملة .. هل هذه أدوية يطلبها عاقل؟
اتــفــاقـيــات ســــريــة
من أغرب الأشياء التي تباع في الأسواق الشعبية مواد أسماؤها غاية في الغرابة لا تنم إلا عن جهل كبير فاضح أصبح يسطر على عقول بعضهم ولا يمكنك أن تصدق كيف يمكن لأناس في القرن الواحد والعشرين أن يؤمنوا بوجود مواد بهذه الأسماء ولها هذه الكيفيات ، وتأملوا بأنفسكم هذه المسميات والحكم لكم بعد ذلك : ( دم العفريت ، جمرة جهنم ، ضوء الليل ، ثلج سخن ، رأس سلحفاة عاقر ، لبن العصفور ، جناح هدهد يتيم ، لسان نمر أخرس ، عين ثعلب أبيض فيه مئذنة ، بعرة فأرة أرملة ، ناب حية بثلاثة رؤوس ، ذنب قردة عذراء..) . والقائمة طويلة ومليئة بمثل هذه المسميات الغريبة والعجيبة التي تفضح حال فئة من الناس .. وحول هذه المواد وحقيقة وجودها التي تشبه المستحيل بعينه يقول العطار ( أبو سالم ) : أنا لا أبيع مثل هذه المواد ، ولكني على علم بأن كثيراً من العطارين يحدث بينهم وبين الكثير من الدجالين والمشعوذين اتفاقيات معينة حول هذه المواد ومسمياتها بحيث تكون معلومة للعطار ومعلومة للدجال والمشعوذ أيضاً بحيث إذا أرسل الدجال الزبون للعطار ليشتري هذه المواد يكون العطار على علم بها ومعرفة مسبقة ، ويتكسب العطار من البيع ويؤكد الدجال للزبون مصداقيته ويسرق أموال الزبون بدون وجه حق . ويضيف ( أبو سالم ) وهؤلاء العطارون وغيرهم لا يتكسبون عن طريق بيع هذه المواد للبسطاء الذين يغرر بهم الدجالون فقط ، ولكن هناك مواد أخرى مثل البخور والعنبر واللبان والبهارات وغيرها من المواد ، ومعظم هذه المواد التي يوحي بشرائها الدجالون تكون باهظة الثمن في الغالب . كما لا يفوتني أن أخبرك عن الدعايات التي يروجها العطارون عن المشعوذين الذين يتعاملون معهم والمبالغات والأعمال المعجزة والحالات المستعصية التي عالجوها أو وفقوا فيها لعلاج أناس فقدوا الأمل في تحقيقها وهكذا هو الحال هذا ما يحدث لدينا في الأسواق الشعبية وما خفي كان أعظم فأنا أعرف عن مواد تباع بمئات الآلاف والتي يدعي الدجالون قدرتهم من خلالها على سرقة البنوك والأموال والكنوز ، وهذه تكون أغلى المواد التي يبيعها العطارون بالاتفاق مع المشعوذين .
فتاة تلقى حتفها بعد تناولها خلطة شعبية للتنحيففـتـاة قـتـلها الـدواء الـشـعبـي
وتؤكد الدكتورة منال الشلبي " أخصائية أمراض باطنية " أن العلاجات الشعبية ليست مصنفة طبياً وآثارها الجانبية غير معروفة كذلك .. ووزارة الصحة عملت دراسة على كذا نوع من الأعشاب التي يستخدمها بعض الناس سواء للتنحيف أو السكر وغيرها من الأمراض ووافقت على القليل جداً منها ، لكن أي شيء لم تصرح وزارة الصحة به لا يمكن أن يصنف أبداً على أنه من ضمن العلاج بل يعتبر من المواد الخطرة والسموم . وحتى لو نجح بعض هذه الأشياء مثل البابونج وغيره ، لكن الذي يحدث الآن أن البعض يعتمدون إلى تركيب أشياء غير معروفة وبطرق غير سليمة ، وأحياناً يُشك في طريقة جمعها وتلوث " التحويجة " التي تتركب من المادة ، وهنا مكمن الخطورة في الأمر . وقد مرت عليّ بعض الحالات للأسف الشديد تضررت من جراء استخدامها لهذا العلاج الشعبي ، وأتذكر حالة شابة في العشرينات من العمر كانت تستخدم مجموعة من الأعشاب والأدوية الشعبية للتنحيف وكانت في حالة خطرة جداً وفي شبه غيبوبة تعاني من حالة قصور كبدي حاد ولم نتمكن من عمل شيء لها برغم تطور مركزنا الطبي ، وللأسف الشديد توفيت الفتاة بعد يومين ، وبعد التحريات أكد لنا أهل الفتاة أنها كانت تستخدم هذه الأدوية الشعبية للتنحيف ، وهذا مثال حي على أن هذه المواد قد تكون قاتلة .
الشَّعر والجنس أكثر الأشياء التي يبحث الناس عن دواء لها
مـواد أولـيـة للـمـشـعـوذيـن
يقول الدكتور علي البلبيسي – عن علاقة الطب الحديث بالطب الشعبي أو العلاج بالأعشاب : من المؤكد أن العلاج الطبي الحديث والأعشاب فرعان يلتقيان في هدف واحد يسعيان إليه وهو بلوغ شفاء المريض . ولكني أؤكد هنا أن الدواء الشعبي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يحل محل الدواء ومحل الطبيب المتخصص الدارس ، لأن تأثير الدواء الشعبي ضعيف إضافة إلى كلفته العالية على المريض كما تعلمون ونجاح الطب الشعبي في علاج بعض الحالات مرده إلى الوهم الذي يشعر به المريض .. هذا لا يعني أنه لا ينجح فقد ينجح في بعض الحالات ولا ينبغي علينا المطالبة بوقف التداوي به تماماً بل يجب علينا التركيز على كيفية الاستفادة من بعض فوائده ومواده الأولية في تصنيع الدواء الحديث ودعم مسيرة التقدم العلمي .. ولا شك في أن التركيز على هذا الجانب سيوجد وظيفة أخرى للأعشاب والأدوية الشعبية وحتى الطب الشعبي أفضل مما يمارسه بعض الجهلة ويستغله بعض العطارين للمتاجرة والربح فقط أو حتى للدجل والشعوذة في أحيان كثيرة ، فالجميع ربما يعلم أن دكاكين العطارة والأعشاب قد تحولت إلى مستودعات توفر المواد الأولية لمن يمارسون الدجل والشعوذة في معظم دول الوطن العربي . واستغلال هذه المصادر للتصنيع الدوائي المعتمد على المصادر الطبيعية سيساهم في الحد من مثل هذه الظواهر الخطرة التي تهدد صلب المجتمعات العربية وتستهدف الإنسان في أعز ما يملك روحه ونفسه وصحته . وهذه ليست دعوة للعودة إلى الطب الشعبي أو التراجع بالتقدم العلمي إلى الوراء بقدر ما هي دعوة للقضاء على الظواهر الشاذة ودعم لمصادر الاستطبابية والدوائية بشكل علمي صرف .
وجــهــة نــظــر غـريـبــة
أما ( محمد.س ) عطار .. فله وجهة نظر غريبة وجريئة بعض الشيء حيث يقول : أنا ورثت العطارة عن والدي ، وجدي كان عطاراً أيضاً وأنا أقوم بعمل تركيبات عديدة تعلمتها من والدي وبعضها قرأته في كتب هندية وعربية قديمة وبعضها يطلب مني المعالجون تحضيرها وتركيبها حسب الطلب وحتى بعض الزبائن يطلبون تركيبات خاصة بهم . وبصراحة أنا لا أدقق في وضع الشخص الذي يطلب مني تركيب خلطة معينة رجلاً كان أم امرأة دجالاً أو مشعوذاً أم شيخاً هذا الموضوع لا أشغل نفسي به وأنا فاتح هذا الدكان " عشان استرزق " وليس من أجل التحقيق مع فلان وعلان و " إيش يشتغل " و " إيش يبغي يعمل " هذا ليس من شأني ولست معنياً به . ويضيف قائلاً : صدقني أنا أعرف أحياناً من نوعية الخلطة والتركيبة المطلوبة أن الذي طلبها ساحر أو يريد بها عمل سحر وشعوذة ، وهذا الموضوع يزعجني داخلياً ، ولكن أنا بياع كما قلت لك وليس من المفروض أن أمتنع عن بيع بضاعتي لأي أحد كان . قلت له : " ولكن مسألة الحلال والحرام يا عم محمد ألا تراعيها ؟ " فقال : بالعكس أراعيها تماماً ، ولكن أنا بضاعتي حلال والحمد لله وأنا لست مسؤولاً عن استخدامها في وسائل وطرق محرمة ، وعندما أشك في أنها قد تستخدم في ممارسة أشياء محرمة كالسحر والشعوذة فإنني أفترض جانباً آخر أيضاً وهو لماذا لا أكون مخطئاً وربما أنها ستستخدم لأغراض دوائية ربما لا أكون على علم بها أو لم أطّلع عليها .. فهل أعطل تجارتي لمجرد شكوك وأوهام قد تصيب وقد تخطئ .
الــشَّــعــر والـجــنـــس
وسألت العطار ( عبد القوي العامري ) عن أكثر المواد مبيعاً في دكاكين العطارين ولأي الأغراض تستخدم فقال : بصراحة عدا البخور والزيوت التي يشتريها النساء لإطالة الشعر وتقويته ومواد إزالة الشعر تأتي المقويات الجنسية سواء أكانت أعشاباً أو خلطات ووصفات مشهورة وردت في الكتب القديمة أو تناقلها العطارون فيما بينهم . وهذه المواد والخلطات يطلبها الرجال والنساء على حد سواء ، ولكن أنت تعلم أن أكثر زبائننا هم من النساء . قلت له : هل تبيعون مواد تستخدم في أعمال السحر والدجل والشعوذة وهل تحظى بإقبال كبير أم لا ؟ فقال : معظم المواد الموجودة في محلات العطارة مثل البخور واللبان والعنبر والعود وبعض الأعشاب الطبيعية الأخرى مثل عين العفريت وحجر جهنم وغيرها كلها يمكن أن يستخدمها الدجالون والسحرة في أعمالهم ، ولكن المشكلة التي نعانيها أنها يمكن أن تستخدم لأغراض عطرية أو علاجية أخرى ، ولا يمكن أن نوقف بيعها فقط لأن الدجالين يمكن أن يرسلوا زبائن إلينا لشرائها . ونخسر وظيفتها الأساسية وهي التداوي والعلاج ، أو حتى الاستخدامات العطرية لها .. ولكن هناك مواد أيضاً لا يمكن أن تستخدم إلا في أعمال السحر والدجل ومعظم العطارين يعرفونها ويعرفون لماذا تستخدم مثل الزئبق مثلاً وأنا لا أبيعه هنا ولكن الكثير يبيعونه ، وأعرف الكثير من أصحاب المهنة يخونون ضمائرهم للأسف الشديد وأصبحوا يقدمون التجارة على أي اعتبارات كانت وقيم أخرى . أما أنا فوالله .. إن الشيء الذي أعلم أنه يدخل في استخدام هذه الأمور فإنني لا أبيعه ، لكن كثيرين غيري لا يراعون هذه الأمور ونحن نشاهدها يومياً . وللعلم فإن الزبون الذي تستدل أنه موصى من عند دجال أو ساحر وجاء ليشتري مواد تعرف أنه تستخدم لهذه الأمور والعياذ بالله .. وهذا شيء معروف ويرد علينا كثيرون بصفة يومية كما قلت لك وكذلك بعض الذين أصبحوا معروفين في السوق من الدجالين والمشعوذين أنفسهم ويعرفهم معظم الذين في السوق ويتعاملون معهم وهم إما من مصر أو من الأفارقة أو اليمن في معظم الأحيان .
|
|
|
|
|