|
الــعــلاج بـالـمـوســيقـى |
|
يُعرف العلاج بالموسيقى بأنه الاستخدام الموصوف prescribed للموسيقى والوسائط الموسيقية من أجل استعادة وتحسين الصحة العاطفية والفيزيقية والفسيولوجية والروحية ، ويهدف العلاج بالموسيقى في مجمله إلى مساعدة الأفراد على حدوث التغيرات الطبيعية سواء في النمو أم التطور أم السلوك ، وكذلك مساعدتهم على نقل المهارات الموسيقية وغير الموسيقية إلى كل مناحي الحياة الأخرى ، مما يساعدهم على الانتقال من العزلة إلى المشاركة الفعالة مع العالم من حولهم . لم يجهل العرب فائدة الموسيقى في الشفاء من بعض الأمراض النفسية والعصبية والعقلية ،" فالرازي " كان في ابتداء أمره موسيقياً وضارباً ممتازاً على العود ، ثم ترك ذلك وأقبل على دراسة كتب الطب والكيمياء .. فنبغ فيها جميعاً . ويبدو أن ذلك لم يمنعه من استخدام الموسيقى في أغراض العلاج فقد وردت إشارات في بعض المراجع لم يشر أصحابها إلى مصدرها ، إلا أنه يغلب على الظن أن الرازي درس فائدة الموسيقى في شفاء الأمراض وتسكين الآلام ، وقد توصل إلى هذه النتيجة بعد تجارب كثيرة قام بها .. حيث كان يتردد على صديق له يشتغل صيدلانياً في مستشفى بمدينة الري ، وكان من عادته حينما يجتمع بصديقه هذا أن يعاوده الحنين إلى الموسيقى ، فكان يعزف عنده بعض الوقت داخل المستشفى بقصد التسلية والطرب ، ولشد ما كان يدهشه عندما يرى المرضى وهم يعانون آلاماً قاسية يتركون أسرتهم ويلتفون حوله ، حيث كان يشملهم السرور والبهجة عندما يسمعون هذه الألحان الشجية ، وينسون آلامهم المبرحة . فأدرك أثر الموسيقى في تخفيف الآلام وفي شفاء بعض الأمراض ، ولكنه لم يقتنع بهذه النتيجة من المرة الأولى ، وأخذ يدرس بدقة تأثير الموسيقى في شفاء الأمراض ، وبعد تجارب كثيرة أخذ يعتمد عليها بوصفها أسلوباً من أساليب العلاج الطبي .
و" للفارابي " دور هام في العلاج
بالموسيقى ، فقد وصل في علم صناعة الموسيقى وعملها إلى غاياتها وأتقنها
إتقاناً لا مزيد عليه وكان يصنع ألحاناً بديعة يحرك بها الانفعالات .
ويقال أن الآلة المعروفة بالقانون من وضعه .. ولعله أخذها عن الفرس
ووسعها وزادها إتقاناً فنسبها الناس إليه .عزف عليها مرة فأضحك
الحاضرين .. وعزف ثانية فأبكاهم .. ثم عزف ثالثة فأنامهم . ما حكم العلاج بالموسيقى؟ أجاب عنها الشيخ عبدالعزيز بن باز – رحمه الله أما العلاج بالموسيقى فلا أصل له بل هو من عمل السفهاء ، فالموسيقى ليست بعلاج ولكنها داء ، وهي من آلات الملاهي ، فكلها مرض للقلوب وسبب لانحراف الأخلاق ، وإنما العلاج النافع والمريح للنفوس إسماع المرضى القرآن والمواعظ المفيدة والأحاديث النافعة ، أما العلاج بالموسيقى وغيرها من آلات الطرب فهو مما يعودهم الباطل ويزيدهم مرضاً إلى مرضهم ، ويقل عليهم سماع القرآن والسُنه والمواعظ المفيدة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . |
|
الصوت .. داء ودواء ! |
|
"الضوضاء" هي السمة المميزة لحياتنا العصرية .. فهي تحاصرنا في كل مكان ، وتدفعنا إلى التوتر والعصبية دون أن نشعر ، مما يعرضنا لمخاطر ارتفاع ضغط الدم ، وتسارع ضربات القلب .. وإذا كان من الصعب إزالة مصادر الضوضاء ، فلا أقل من تجنب التعرض لها ومحاربتها بكل الأسلحة المتاحة..وإذا كانت هناك أصوات تسبب المرض ونسميها"الضوضاء" فهناك أصوات تساعد على الشفاء - بإذن الله - وقد ألهمنا الله سبحانه وتعالى بعض الممارسات الصوتية التي تساعد على التخفيف من الضغوط العصبية ، والانحرافات المزاجية ، بل من بعض الأمراض العضوية ، تلك الأصوات نمارسها دون أن نشعر وكأن أجسادنا تعالج نفسها بنفسها..إننا " نصرخ " فرحاً في حالات السعادة القصوى ، وكأن نفوسنا تعجز عن احتواء النشوة والسعادة .. وكذلك "نصرخ" ألماً وكمداً في حالات الحزن المفرط ، كما لو كانت أجسادنا ونفوسنا أضعف كثيراً من أن تحتمل آلامها .. وهنا نلمس الأثر العلاجي للصوت ، ففي حالات الإفراط العاطفي – فرحاً أو حزناً – تعيد تلك الممارسات الصوتية النفس والجسد معاً إلى حالة التوازن ، وكأن الجسم قد تخلص من الشحنة الزائدة التي تفوق احتماله . ويسجل عالم الطب والنفس الياباني " تاكاشي ناكامورا " ملاحظته حول موضوع العلاج بالصوت فيقول في كتاب"العلاج الشرقي بالتنفس" : ( إن إطالة النفس وإمساكه مع ضغط البطن يظهر فعالية كبيرة لموجات " ألفا " في رسم المخ الكهربي ، ويشير إلى تحكم خلاق في الجهاز العصبي اللاإرادي )...وهذا النمط من التنفس يحدث لا إرادياً ، وتبعاً لحاجة البشر إلى راحة الجسد والنفس في صورة إطلاق الأصوات اللينة أو أصوات المد المتاحة لكل البشر على اختلاف لغاتهم وتباين معتقداتهم ، فمثلاً الصوت الذي يخرج من صدور وأفواه الرهبان الأطباء في المعابد البوذية على جبال الهمالايا مع تكرارها لمرات عديدة لبضع دقائق تعود بالأنفاس التي كادت تتوقف من عناء الصعود إلى السلاسة برغم ارتفاع الأربعة آلاف متر ، وانخفاض الضغط ، وقلة الأوكسجين ، وكذلك كلمة " آمن" في صلوات أهل الكتاب .. والأهم والأقرب إلى قلوب المسلمين كلمة " آمين " التي ما إن تنطلق مديدة من صدورنا حتى تمحو آلام الروح والجسد . أمراض يعالجها الصوت
يذكر " د. محمد المخزنجي " بعض
الاستخدامات العلاجية للصوت فيقول : " إن العلاج بالصوت باستخدام أجهزة
إلكترونية حديثة لإطلاق موجات معينة التردد ، ثبت أنها تساعد على
التئام الكسور والجروح ، كما يعتقد أنها مفيدة في معظم أمراض الجهاز
الحركي ، كما في حالات التهاب العضلات التليفي ، والروماتيزم والتهاب
المفاصل ، وآلام الظهر ، والشد العضلي ، والرضوض ( الكدمات ) ، والصداع
النصفي ، وآلام الأعصاب .. وتساعد في علاج التهاب الجيوب الأنفية ، كما
ثبت أنها تفيد قبل إجراء الجراحات ، فتجعل عمليات ترميم الورك أكثر
نجاحاً ، كما تخفف من آلام الانزلاق الغضروفي بما يسمح بعمليات التصحيح
اليدوي ..وقبل العلاج بالصوت ينصح بالتشخيص الجيد ، والتقييم الجيد
للحالة ، وقد يكون المرور على الطبيب العادي أولاً مهماً ، ففي نهاية
الأمر يمثل العلاج بالصوت – كما في معظم علاجات الطب البديل – عنصراً
مكملاً مع الطب الغربي الحديث ، وفي حالة انفرادها فهي وسيلة وقائية
لمنع ظهور أو تفاقم الأمراض " .
|
|
حكم التداوي بالمحرمات |
|
التداوي من الأمراض قد يكون بأدوية مباحة ، وقد يكون بأدوية محرمة . ومن الأدوية المحرمة : التداوي بالمواد المسكرة ، أو المخدرة ، أو التداوي بالذهب أو الفضة في حق الرجال ، أو بلبس الحرير في حقهم كذلك ، أو اتخاذ الأدوية النجسة أو الخبيثة ، أو التداوي بسماع الغناء والمعازف ، أو بالسم أو ما اشتمل عليه ، أو نحو ذلك . وفي البداية أقر اتفاق الفقهاء على حرمة التداوي بالمحرم مطلقاً ، إذا لم تدع الضرورة إليه ، بأن وجد البديل المباح الذي يغني عنه ، أما إذا دعت إليه الضرورة فقد اختلف الفقهاء في حكم التداوي به على مذهبين :
المذهب الأول :
المذهب الثاني : أولاً : الكتاب الكريم :
قال تعالى :
{ وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه }
- ( الأنعام : 119 ) . وجه الدلالة من الآية : أسقط الحق – سبحانه –
تحريم ما فصل تحريمه عند الضرورة إليه ، فكل محرم هو عند الضرورة حلال
، والتداوي بمنزلة الضرورة ، فيباح فيه تناول هذه المحرمات للتداوي بها
استناداً إلى هذه الآية . روي عن أنس – رضي الله عنه – قال : " إن رهطاً من عرينة أتوا إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقالوا : إنا اجتوينا المدينة ، وعظمت بطوننا ، وارتهست أعضادنا ، فأمرهم النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يلحقوا براعي الإبل ، فيشربوا من ألبانها وأبوالها ، فلحقوا براعي الإبل فشربوا من أبوالها وألبانها حتى صلحت بطونهم وأبدانهم ، ثم قتلوا الراعي وساقوا الأبل ، فبلغ ذلك النبي – صلى الله عليه وسلم – فبعث في طلبهم ، فجيء بهم ، فقطع أيديهم وأرجلهم ، وسمر أعينهم ، والقوا في الحرة يستسقون فلا يُسقون " (1) . وجه الدلالة منه : رخص رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لهؤلاء القوم بشرب أبوال الإبل على سبيل التداوي مما أصابهم من مرض ، وقد صحت أبدانهم بعد شربه ، والتداوي – كما قال ابن حزم – بمنزلة الضرورة التي ترخص في تناول المحرم ، ولا يعد تناوله في هذه الحالة محرماً ، فإن ما اضطر المرء إليه فهو غير محرم عليه من المأكل والمشرب (2) . اعترض على الاستدالال به بما يلي :
أ)
: قال العيني والمرغيناني : إن رسول الله – صلى
الله عليه وسلم – خص العرنيين بذلك ، لما عرف من طريق الوحي أن شفاءهم
فيه ،
ولا يوجد مثله في زماننا
، فلا يحل تناوله لعدم تيقن الشفاء فيه ،
فلا يعرض على الحرمة ، وهو كما خص الزبير بن العوام بلبس الحريري لحكة
كانت به أو للقمل (3) ، أو لأنهم كانوا كفاراً في علم الله تعالى ،
ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – علم من طريق الوحي أنهم يموتون على
الردة ، ولا يبعد أن يكون شفاء الكافر بالنجس (4) .. ب) : قال السرخسي : " حديث أنس رواه قتادة عنه ، وفيه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رخص للعرنيين في شرب ألبان الإبل ولم يذكر الأبوال ، وإنما ذكر هذا في رواية حميد الطويل عنه ، والحديث حكاية حال ، فإذا جار بين أن يكون حجة أو لا يكون حجة ، فإنه يسقط الاحتجاج به (7) . ج ) : افترض العيني اعتراضاً حيث قال : " إن أبوال الإبل كانت محرمة الشرب ، فلا يجوز التداوي به " (8) ، لما روي عن أم سلمة رضي الله عنها : " أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : " إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها " (9) . |
|
1 - الـتـداوي بـالـخـمـر |
|
هل الكحول ( الغول ) وبالتالي الخمور دواء أم هي سم ؟ .. يقول الدكتور أوبري لويس – رئيس قسم الأمراض النفسية – في جامعة لندن في أكبر وأشهر مرجع طبي بريطاني ( مرجع برايس الطبي – الطبعة العاشرة ) . " إن الكحول هو السم الوحيد المرخص بتداوله على نطاق واسع في العالم كله . ويجده تحت يده كل من يريد أن يهرب من مشاكله .. ولهذا يتناوله بكثرة كل مضطربي الشخصية ويؤدي هو إلى اضطراب الشخصية ومرضها (Psycho-pathic Anomaly) إن جرعة واحدة من الكحول قد تسبب التسمم وتؤدي : إما إلى الهيجان أو الخمود ، وقد تؤدي إلى الغيبوبة .. أما شاربوا الخمر المزمنون (ch Alcoholics) فيتعرضون للتحلل الأخلاقي الكامل مع الجنون " . وقد كان الأطباء يزعمون في الأزمنة الغابرة وعلى زمن رسول الله وبعده وحتى عهد قريب أن للخمر بعض المنافع الطبية ثم تقدمت الاكتشافات العلمية وبطلت تلك المزاعم وتبين أيضاً أنها أوهام . وأن كلام الصادق المصدوق عنها هو الحق الذي لا ريب فيه ولا التباس . فقد قال عنها لطارق الجعفي عندما سأله عن الخمر فنهاه فقال طارق : إنما أصفها للدواء ، فقال : إنه ليس بدواء ، ولكنه داء - أخرجه مسلم والترمذي . وعن أبي هريرة : ( نهى رسول الله عن الدواء الخبيث ) أخرجه أبو داود وأخرج أبو داود أيضاً في سننه : ( إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا بحرام ) . وعن طارق بن سويد الحضرمي قال : قلت يا رسول الله إن بأرضنا أعناباً نعصرها فنشرب منها ، قال : لا ، فراجعته قلت : إنا نستشفي للمريض قال : إن ذلك ليس بشفاء ، ولكنه داء ) أخرجه مسلم . وتوهم بعض المتقدمين أن في الخمر منافع طبية واستدلوا على ذلك بقوله تعالى : { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } ، وقد رد كثير من الأئمة على هذا الزعم . فيقول الأمير الصنعاني في كتابه " سبل السلام " وفي كتاب " النجم الوهاج " قال الشيخ : كل ما يقوله الأطباء من المنافع في الخمر وشربها كان عند شهادة القرآن أن فيها منافع للناس قبل . وأما بعد نزول آية المائدة { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان .. فاجتنبوه لعلكم تفلحون } . فإن الله تعالى الخالق لكل شيء سلبها المنافع جملة فليس فيها شيء من المنافع . وبهذا تسقط مسألة التداوي بالخمر والذي قاله منقول عن الربيع والضحاك وفيها حديث أسنده الثعلبي وغيره أن النبي – صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تعالى لما حرم الخمر سلبها المنافع " . والمنافع في الخمر موهومة فهي إما منافع مادية لمن يبيع الخمر ويتجر بها ، ولكنها طامة كبرى على المجتمع وخسارة مادية أية خسارة .. وإما منافع طبية وصناعية وأغلبها موهوم . مثل الاعتقاد بأن الخمر يفتح الشهية ، وقد استخدم الخمر كفاتح للشهية منذ أقدم العصور واستخدمها اليونان والرومان والفرس والعرب وتفننوا فيها .. ويستخدمها الأوروبيون اليوم وخاصة الفرنسيون وتدعى (Apenibf) أي فاتح للشهية ، وعادتهم أن لا يشربوا صعب الأطعمة إلا النبيذ وكذلك الإيطاليون .. والخمر تفتح الشهية أول الأمر فتزيد من إفراز حامض المعدة كلور الماء (Hcl) ولكنها بعد فترة تسبب التهاب المعدة .. وتعقب تلك المنفعة الموهومة مضرات وعواقب وبيلة وخيمة أولها التهابات المعدة وفقدان الشهية والقيء المتكرر وآخرها سرطان المرئ .. وقد جاء وفد اليمن ووفد حضرموت إلى النبي وطلبوا منه أن يسمح لهم بشرب الخمر بحجة أن بلادهم باردة ، فأبى عليهم ذلك .. فقد روى أبو داود أن ديلم الحميري سأل النبي فقال : يا رسول الله إنا بأرض باردة نعالج فيها عملاً شديداً ، وإنا نتخذ من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا ويرد بلا دنا ، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : هل يسكر ؟ قال : نعم . قال : فاجتنبوه . قال : إن الناس غير تاركيه . قال : فإن لم يتركوه فقاتلوهم . وجاء الطب الحديث بعد هذه الحادثة بألف وأربعمائة عام تقريباً ليقول لنا إن ذلك الدفء ليس إلا من قبيل الوهم . فالخمر توسع الأوعية الدموية وخاصة تلك التي تحت الجلد يشعر المرء بالدفئ الكاذب .. وكمذيب لبعض المواد القلوية والدهنية (Solvent Dehydrating Agent) كما يستخدم في الطب كمطهر للجلد وكمذيب لبعض الأدوية التي لا تذوب إلا في الكحول . كما يستخدم الكحول كمذيب للمواد العطرية ويستخدم بكثرة في صنع الروائح والعطور ( الكولونيا والبارفان ) . وقد بطل استخدام الخمر كترياق وكدواء في الطب الحديث ، ولكن بقي استعمال الكحول كمذيب لبعض الأدوية والعقاقير .. والعجيب حقاً أن علماء الإسلام قد بحثوا هذه المسألة بحثاً دقيقاً ، وأتوا فيها بالعجب العجاب .. يقول مغني المحتاج : " إن التداوي بالخمر حرام إذا كانت صرفاً غير ممزوجة بشيء آخر تستهلك فيه . أما الترياق المعجون بها ونحوه مما تستهلك فيه فيجوز التداوي به عند فقد ما يقوم به التداوي من الطاهرات فعندئذ يتبع حكم التداوي بنجس كلحم حية وبول . وكذا يجوز التداوي بذلك لتعجيل الشفاء بشرط إخبار طبيب مسلم عدل بذلك ، أو معرفته للتداوي به وبشرط أن يكون القدر المستعمل قليلاً لا يسكر " . ولا شك في حرمة الخمر الصرفة كدواء فهي داء وليست دواء ولكن استعمالها في الترياق وهي الآن تستعمل في كثير من الأدوية كمذيب لبعض المواد القلوية أو الدهنية التي تذوب في الماء ، هذا الاستعمال هو المذكور في مغنى المحتاج وهو جائز بشروط : 1- أن لا يكون هناك دواء آخر خالياً من الكحول ينفع لتلك الحالة . 2- أن يدل على ذلك طبيب مسلم عدل . 3- أن يكون القدر المستعمل قليلاً لا يسكر . وإذا نظرنا إلى الأدوية الموجودة التي بها شيء من الكحول نجدها على ضربين : الأول : مواد قلوية أو دهنية تستعمل كأدوية ولابد لإذابتها من الكحول . أما الثاني : فمواد يضاف إليها شيء يسير من الكحول لا لضرورة ، وإنما لإعطاء الشراب نكهة خاصة ومذاقاً تعود عليه أهل أوروبا وأمريكا ، أي من حيث يأتينا الدواء جاهزاً مصنعاً .. وهذا النوع الثاني لا شك في حرمته . ولابد للطبيب المسلم أن يتروي في وصف الأدوية التي بها شيء من الكحول ، وليتجنبها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً . ولم يسمح أحد من فقهاء الإسلام باستخدام الخمر كدواء إلا عند الضرورة القصوى مثل أن يغص امرؤ ما بلقمة ولا يجد أمامه إلا الخمر فعندئذ يجوز شربها لإزالة الغصة ، ويقول سيد سابق في فقه السُنه : ( ومثل الفقهاء لذلك بمن غص بلقمة فكاد يختنق ولم يجد ما يسيغها به سوى الخمر ) . ولكنه أي سيد سابق يقع في خطأ فاحش عندما يقول : ( أو من أشرف على الهلاك من البرد ولم يجد ما يدفع به الهلاك غير كوب أو جرعة خمر ) . وقد أوضحنا زيف ذلك الوهم الذي يقول إن الخمر تدفيء الجسم وكذلك يقع في الخطأ الفاحش حين يقول : ( أو من أصابته أزمة قلبية وكاد يموت ، فعلم لو أخبره الطبيب بأنه لا يجد ما يدفع به الخطر سوى شرب مقدار معين من الخمر ) . فهذا أيضاً خطأ فاحش .. ووهم قاتل ، فإن الخمر لا توسع الشرايين التاجية المغذية للقلب كما كان موهوماً من قبل وإنما تضيقها وذلك بترسيب الدهنيات والكوليسترول في جوفها وبذلك تساعد على تسبب جلطات القلب والذبحة الصدرية وخاصة مع التدخين فكلتا المادتين تساهم في انسداد الشرايين التاجية الأولى ( أي الخمر ) بترسيب الدهنيات والكوليسترول والثانية بانقباض الشرايين وتضييق مجراها .. وللخمر خاصية أخرى فهي تصيب عضلة القلب بالتسمم (Toxic Cordionyopathy) ، وستعرض لذلك بالتفصيل عندما نتحدث عن الخمر والقلب والجهاز الدوري .. ونقول للشيخ سيد سابق غفر الله له إنها ليست من باب الضرورات التي تبيح المحظورات ، كما توهم . وإنما هي المضرات والمفاسد التي ينبغي أن تحظر . وقد أعجبني الإمام ابن القيم عندما تعرض لهذه النقطة في كتابه الطب النبوي . فقد كان عملاقاً شامخاً كالطود لم يهله إدعاء الأطباء في زمانه أن الخمر دواء فأوضح وأبان كيف هي داء .. وكان إيمانه بربه وبرسوله قد انتهى به إلي النهايات الصحيحة وأتى بما لم يأت به الطب في زمانه . بل والتفت إلى نقط دقيقة كل الدقة ، ولم ينتبه لها الطب إلا في الآونة الأخيرة ومنها تأثير الاعتقاد في الدواء .. فإذا كان اعتقاد المريض في الدواء حسناً حصل له نوع شفاء ، وإن كان اعتقاده سيئاً لم يحصل له ذلك . ويسمى ذلك التأثير (Placebo Effect) ويعرفه الأطباء كافة . فيقول ابن القيم : ( إنما حرم الله على هذه الأمة ما حرم لخبثه وتحريمه له ، حمية لهم وصيانة عن تناوله فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل . فإنه وإن أثر في إزالتها ( هذا الكلام حسب رأي الطب في إزالتها في زمانه ) لكنه يعقب سقماً أعظم منه في القلب بقوة الخبث الذي فيه فيكون المداوي به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب وتحريمه يقتضي تجنبه والبعد عنه بكل طريق وفي اتخاذه دواء حض على الترغيب فيه وملابسته . " وهو داء كما نص عليه صاحب الشريعة فلا يجوز أن يتخذ دواء وهو يكسب الطبيعة والروح صفة الخبث لأن الطبيعة تنفعل عن كيفية الدواء انفعالاً بيناً . فإذا كانت كيفيته أكسب الطبيعة منه خبثاً ذاته . ولهذا حرم الله سبحانه على عباده الأغذية والأشربة والملابس الخبيثة . لما تكتسب النفس من هيئة الخبث وصفته " . ولنا هنا تعليق سريع فهذه المسألة في منتهى الدقة ولم يتبينها الطب بعد بالتفصيل . فإن الأغذية والأشربة تتحول بعد الهضم والامتصاص إما إلى طاقة تحرك الجسم ووقود للعقل والقلب أو إلى مواد لبناء الأنسجة وإبدال التالف منها بجديد صالح .. ونحن نعرف الآن أن المواد النشوية والدهنية تتحول إلى طاقة بينما تتحول المواد البروتينية إلى خلايا وأنسجة ، ويقع ذلك ضمن عمليات كيماوية معقدة فدورة كريب (Krebs cycle) مثلاً هي مجموعة من العمليات الكيماوية البالغة التعقيد التي تحول سكر الدم ( الجلوكوز ) في ميتوكوندريا الخلايا إلى طاقة مخزونة عبر ما يقرب من أربعين عملية كيماوية . وتتحول ضمن دورة كريب وخارجها مجموعة من الأحماض الأمينية (Amino Acids) الهامة لبناء الخلايا والأنسجة .. فالمواد البورتينية ليست إلا مجموعة ضخمة من الأحماض الأمينية هذه .. وهكذا ترى أن ماتأكله أو تشربه يتحول بالتالي إلى محرك لعضلة يدك أو عضلة قلبك أو قادح لزناد فكرك أو يتحول إلى نفس تلك العضلة في اليد أو اللسان أو القلب أو يجري في عروقك مع دمك مكوناً الكرويات الحمراء أو البيضاء أو الصفائح أو حيواناً منوياً يخرج من صلبك وترائبك .. أفلا يدخل في تركيب جسمك وتكوين فكرك بعد هذا ما تأكله أو تشربه من الخبائث كالخمر ولحم الخنزير وغيرها مما حرمها الله ؟ بل إنها لكذلك .. أفلا يكون كلام ابن القيم بعد هذا دقيقاً كل الدقة بارعاً كل البراعة في وصف ما لم يهتم به الطب الحديث إلى اليوم ؟ .. بلى إنه لكذلك إنه كما قال & |