الــعــلاج بـالـمـوســيقـى

 يُعرف العلاج بالموسيقى بأنه الاستخدام الموصوف prescribed للموسيقى والوسائط الموسيقية من أجل استعادة وتحسين الصحة العاطفية والفيزيقية والفسيولوجية والروحية ، ويهدف العلاج بالموسيقى في مجمله إلى مساعدة الأفراد على حدوث التغيرات الطبيعية سواء في النمو أم التطور أم السلوك ، وكذلك مساعدتهم على نقل المهارات الموسيقية وغير الموسيقية إلى كل مناحي الحياة الأخرى ، مما يساعدهم على الانتقال من العزلة إلى المشاركة الفعالة مع العالم من حولهم .

لم يجهل العرب فائدة الموسيقى في الشفاء من بعض الأمراض النفسية والعصبية والعقلية ،" فالرازي " كان في ابتداء أمره موسيقياً وضارباً ممتازاً على العود ، ثم ترك ذلك وأقبل على دراسة كتب الطب والكيمياء .. فنبغ فيها جميعاً . ويبدو أن ذلك لم يمنعه من استخدام الموسيقى في أغراض العلاج فقد وردت إشارات في بعض المراجع لم يشر أصحابها إلى مصدرها ، إلا أنه يغلب على الظن أن الرازي درس فائدة الموسيقى في شفاء الأمراض وتسكين الآلام ، وقد توصل إلى هذه النتيجة بعد تجارب كثيرة قام بها .. حيث كان يتردد على صديق له يشتغل صيدلانياً في مستشفى بمدينة الري ، وكان من عادته حينما يجتمع بصديقه هذا أن يعاوده الحنين إلى الموسيقى ، فكان يعزف عنده بعض الوقت داخل المستشفى بقصد التسلية والطرب ، ولشد ما كان يدهشه عندما يرى المرضى وهم يعانون آلاماً قاسية يتركون أسرتهم ويلتفون حوله ، حيث كان يشملهم السرور والبهجة عندما يسمعون هذه الألحان الشجية ، وينسون آلامهم المبرحة . فأدرك أثر الموسيقى في تخفيف الآلام وفي شفاء بعض الأمراض ، ولكنه لم يقتنع بهذه النتيجة من المرة الأولى ، وأخذ يدرس بدقة تأثير الموسيقى في شفاء الأمراض ، وبعد تجارب كثيرة أخذ يعتمد عليها بوصفها أسلوباً من أساليب العلاج الطبي .

و" للفارابي " دور هام في العلاج بالموسيقى ، فقد وصل في علم صناعة الموسيقى وعملها إلى غاياتها وأتقنها إتقاناً لا مزيد عليه وكان يصنع ألحاناً بديعة يحرك بها الانفعالات . ويقال أن الآلة المعروفة بالقانون من وضعه .. ولعله أخذها عن الفرس ووسعها وزادها إتقاناً فنسبها الناس إليه .عزف عليها مرة فأضحك الحاضرين .. وعزف ثانية فأبكاهم .. ثم عزف ثالثة فأنامهم .
كما أن " ابن سينا " ترسم خطى الفارابي في نظرياته الموسيقية ، حيث برع فيها نظرياً وعلمياً ، وعالجها في عدة كتب لم يبق منها إلا ثلاثة اثنتان باللغة العربية ، والثالث بالفارسية ، فكتابه " الشفاء " هو خلاصة ما جاء في موسيقى الشفاء ، ويذكر بن أبي أصيبعة أن لابن سينا أيضاً كتاب آخر في الموسيقى يدعى " المدخل إلى علم صناعة الموسيقى " .. وأن موضوعه يختلف عما جاء في كتاب النجاة وقد عولج المجانين أيضاً عن طريق الموسيقى ، وعن طريق زراعة أنواع مختلفة من الأزهار تدخل البهجة إلى قلوبنهم وتمتع أنظارهم بمرآها.

 ما حكم العلاج بالموسيقى؟

أجاب عنها الشيخ عبدالعزيز بن باز – رحمه الله

أما العلاج بالموسيقى فلا أصل له بل هو من عمل السفهاء ، فالموسيقى ليست بعلاج ولكنها داء ، وهي من آلات الملاهي ، فكلها مرض للقلوب وسبب لانحراف الأخلاق ، وإنما العلاج النافع والمريح للنفوس إسماع المرضى القرآن والمواعظ المفيدة والأحاديث النافعة ، أما العلاج بالموسيقى وغيرها من آلات الطرب فهو مما يعودهم الباطل ويزيدهم مرضاً إلى مرضهم ، ويقل عليهم سماع القرآن والسُنه والمواعظ المفيدة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

 الصوت .. داء ودواء !

"الضوضاء" هي السمة المميزة لحياتنا العصرية .. فهي تحاصرنا في كل مكان ، وتدفعنا إلى التوتر والعصبية دون أن نشعر ، مما يعرضنا لمخاطر ارتفاع ضغط الدم ، وتسارع ضربات القلب .. وإذا كان من الصعب إزالة مصادر الضوضاء ، فلا أقل من تجنب التعرض لها ومحاربتها بكل الأسلحة المتاحة..وإذا كانت هناك أصوات تسبب المرض ونسميها"الضوضاء" فهناك أصوات تساعد على الشفاء - بإذن الله - وقد ألهمنا الله سبحانه وتعالى بعض الممارسات الصوتية التي تساعد على التخفيف من الضغوط العصبية ، والانحرافات المزاجية ، بل من بعض الأمراض العضوية ، تلك الأصوات نمارسها دون أن نشعر وكأن أجسادنا تعالج نفسها بنفسها..إننا " نصرخ " فرحاً في حالات السعادة القصوى ، وكأن نفوسنا تعجز عن احتواء النشوة والسعادة .. وكذلك "نصرخ" ألماً وكمداً في حالات الحزن المفرط ، كما لو كانت أجسادنا ونفوسنا أضعف كثيراً من أن تحتمل آلامها .. وهنا نلمس الأثر العلاجي للصوت ، ففي حالات الإفراط العاطفي – فرحاً أو حزناً – تعيد تلك الممارسات الصوتية النفس والجسد معاً إلى حالة التوازن ، وكأن الجسم قد تخلص من الشحنة الزائدة التي تفوق احتماله .

ويسجل عالم الطب والنفس الياباني " تاكاشي ناكامورا " ملاحظته حول موضوع العلاج بالصوت فيقول في كتاب"العلاج الشرقي بالتنفس" : ( إن إطالة النفس وإمساكه مع ضغط البطن يظهر فعالية كبيرة لموجات " ألفا " في رسم المخ الكهربي ، ويشير إلى تحكم خلاق في الجهاز العصبي اللاإرادي )...وهذا النمط من التنفس يحدث لا إرادياً ، وتبعاً لحاجة البشر إلى راحة الجسد والنفس في صورة إطلاق الأصوات اللينة أو أصوات المد المتاحة لكل البشر على اختلاف لغاتهم وتباين معتقداتهم ، فمثلاً الصوت الذي يخرج من صدور وأفواه الرهبان الأطباء في المعابد البوذية على جبال الهمالايا مع تكرارها لمرات عديدة لبضع دقائق تعود بالأنفاس التي كادت تتوقف من عناء الصعود إلى السلاسة برغم ارتفاع الأربعة آلاف متر ، وانخفاض الضغط ، وقلة الأوكسجين ، وكذلك كلمة " آمن" في صلوات أهل الكتاب .. والأهم والأقرب إلى قلوب المسلمين كلمة " آمين " التي ما إن تنطلق مديدة من صدورنا حتى تمحو آلام الروح والجسد .

 أمراض يعالجها الصوت

 يذكر " د. محمد المخزنجي "  بعض الاستخدامات العلاجية للصوت فيقول : " إن العلاج بالصوت باستخدام أجهزة إلكترونية حديثة لإطلاق موجات معينة التردد ، ثبت أنها تساعد على التئام الكسور والجروح ، كما يعتقد أنها مفيدة في معظم أمراض الجهاز الحركي ، كما في حالات التهاب العضلات التليفي ، والروماتيزم والتهاب المفاصل ، وآلام الظهر ، والشد العضلي ، والرضوض ( الكدمات ) ، والصداع النصفي ، وآلام الأعصاب .. وتساعد في علاج التهاب الجيوب الأنفية ، كما ثبت أنها تفيد قبل إجراء الجراحات ، فتجعل عمليات ترميم الورك أكثر نجاحاً ، كما تخفف من آلام الانزلاق الغضروفي بما يسمح بعمليات التصحيح اليدوي ..وقبل العلاج بالصوت ينصح بالتشخيص الجيد ، والتقييم الجيد للحالة ، وقد يكون المرور على الطبيب العادي أولاً مهماً ، ففي نهاية الأمر يمثل العلاج بالصوت – كما في معظم علاجات الطب البديل – عنصراً مكملاً مع الطب الغربي الحديث ، وفي حالة انفرادها فهي وسيلة وقائية لمنع ظهور أو تفاقم الأمراض " .
وأخيراً .. يقول المثل العربي " وداوني بالتي كانت هي الداء " .. فمعظم أمراض العصر الحديث يسببها القلق والتوتر العصبي الذي تغذيه الأصوات المزعجة والضجيج ، ويأتي الاسترخاء مع الترنم بصوت مسموع يريح العقل والجسد ، وكأن تنغيم الصوت وترنيمه يُدلّك الروح والعضلات معاً . ولعل خير مثال نذكره : الترنم بآيات من القرآن الكريم ، وصدق الرسول الكريم إذ يقول : " زينوا القرآن بأصواتكم " .

 

 حكم التداوي بالمحرمات

التداوي من الأمراض قد يكون بأدوية مباحة ، وقد يكون بأدوية محرمة .

ومن الأدوية المحرمة :

التداوي بالمواد المسكرة ، أو المخدرة ، أو التداوي بالذهب أو الفضة في حق الرجال ، أو بلبس الحرير في حقهم كذلك ، أو اتخاذ الأدوية النجسة أو الخبيثة ، أو التداوي بسماع الغناء والمعازف ، أو بالسم أو ما اشتمل عليه ، أو نحو ذلك .

وفي البداية أقر اتفاق الفقهاء على حرمة التداوي بالمحرم مطلقاً ، إذا لم تدع الضرورة إليه ، بأن وجد البديل المباح الذي يغني عنه ، أما إذا دعت إليه الضرورة فقد اختلف الفقهاء في حكم التداوي به على مذهبين :

المذهب الأول :
 يرى أصحابه جواز التداوي بالمحرم ، على تفصيل بينهم في ذلك . إلى هذا ذهب بعض الحنفية ، إذا يرون جواز الاستشفاء بالحرام إذا أخبر طبيب مسلم أن فيه شفاء للمريض ، ولم يوجد دواء مباح يقوم مقامه في التداوي به من المرض ، وما عليه مذهب الشافعية وقطع به جمهورهم هو جواز التداوي بالمحرمات بسبب النجاسة – غير المسكر – إذا لم يوجد طاهر يقوم مقامها في التداوي ، وكان المتداوي عرافاً بالطب ، يعرف أنه لا يقوم غير النجس مقامه في المداواة ، أو كان يعرف ذلك من تجربة سابقة له مع المرض ، أو أخبره طبيب مسلم بذلك ..وأما الطاهرات المحرمة كالحرير ونحوه فيجوز التداوي به في اظهر قولين في المذهب ، بالقيود السابقة في التداوي بالنجس ، ومذهب الظاهرية جواز التداوي بالمحرم مطلقاً ، إلا لحوم بني آدم ، وما يقتل من تناوله ، فلا يحل التداوي به وإن دعت إليه الضرورة (1).

المذهب الثاني :
 
يرى من ذهب إليه أنه لا يجوز التداوي بالمحرم . إلى هذا ذهب جمهور الحنفية ، وهو مذهب المالكية ، ووجه في مذهب الشافعية ، وإليه ذهب الحنابلة (2) .أذلة المذهبين : استدل أصحاب المذهب الأول على جواز التداوي بالمحرم بشرطه بما يلي :

أولاً : الكتاب الكريم :

قال تعالى : { وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه } - ( الأنعام : 119 ) . وجه الدلالة من الآية : أسقط الحق – سبحانه – تحريم ما فصل تحريمه عند الضرورة إليه ، فكل محرم هو عند الضرورة حلال ، والتداوي بمنزلة الضرورة ، فيباح فيه تناول هذه المحرمات للتداوي بها استناداً إلى هذه الآية .
ثانياً : السُنة النبوية المطهرة :

روي عن أنس – رضي الله عنه – قال : " إن رهطاً من عرينة أتوا إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقالوا : إنا اجتوينا المدينة ، وعظمت بطوننا ، وارتهست أعضادنا ، فأمرهم النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يلحقوا براعي الإبل ، فيشربوا من ألبانها وأبوالها ، فلحقوا براعي الإبل فشربوا من أبوالها وألبانها حتى صلحت بطونهم وأبدانهم ، ثم قتلوا الراعي وساقوا الأبل ، فبلغ ذلك النبي – صلى الله عليه وسلم – فبعث في طلبهم ، فجيء بهم ، فقطع أيديهم وأرجلهم ، وسمر أعينهم ، والقوا في الحرة يستسقون فلا يُسقون " (1) .

وجه الدلالة منه : رخص رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لهؤلاء القوم بشرب أبوال الإبل على سبيل التداوي مما أصابهم من مرض ، وقد صحت أبدانهم بعد شربه ، والتداوي – كما قال ابن حزم – بمنزلة الضرورة التي ترخص في تناول المحرم ، ولا يعد تناوله في هذه الحالة محرماً ، فإن ما اضطر المرء إليه فهو غير محرم عليه من المأكل والمشرب (2) .

اعترض على الاستدالال به بما يلي :

أ‌)   : قال العيني والمرغيناني : إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – خص العرنيين بذلك ، لما عرف من طريق الوحي أن شفاءهم فيه ، ولا يوجد مثله في زماننا ، فلا يحل تناوله لعدم تيقن الشفاء فيه ، فلا يعرض على الحرمة ، وهو كما خص الزبير بن العوام بلبس الحريري لحكة كانت به أو للقمل (3) ، أو لأنهم كانوا كفاراً في علم الله تعالى ، ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – علم من طريق الوحي أنهم يموتون على الردة ، ولا يبعد أن يكون شفاء الكافر بالنجس (4) ..
 أجيب عن هذا الاعتراض : قال ابن المنذر : " من زعم أن هذا خاص بأولئك الأقوام فلم يصب ، إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل ، ويؤيد هذا تقرير أهل العلم استعمال الناس أبوال الإبل في أدويتهم قديماً وحديثاً ، وعدم إنكارهم ذلك " (5) .. رد هذا الجواب : قال ابن حجر : " إن المختلف فيه لا يجب إنكاره ، فلا يدل ترك إنكاره على جوازه " (6) .

ب‌) : قال السرخسي : " حديث أنس رواه قتادة عنه ، وفيه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رخص للعرنيين في شرب ألبان الإبل ولم يذكر الأبوال ، وإنما ذكر هذا في رواية حميد الطويل عنه ، والحديث حكاية حال ، فإذا جار بين أن يكون حجة أو لا يكون حجة ، فإنه يسقط الاحتجاج به (7) .

ج ) : افترض العيني اعتراضاً حيث قال : " إن أبوال الإبل كانت محرمة الشرب ، فلا يجوز التداوي به " (8) ، لما روي عن أم سلمة رضي الله عنها : " أن رسول  الله – صلى الله عليه وسلم – قال : " إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها " (9) .

1 - الـتـداوي بـالـخـمـر

هل الكحول ( الغول ) وبالتالي الخمور دواء أم هي سم ؟ .. يقول الدكتور أوبري لويس – رئيس قسم الأمراض النفسية – في جامعة لندن في أكبر وأشهر مرجع طبي بريطاني  ( مرجع برايس الطبي – الطبعة العاشرة ) .

" إن الكحول هو السم الوحيد المرخص بتداوله على نطاق واسع في العالم كله . ويجده تحت يده كل من يريد أن يهرب من مشاكله .. ولهذا يتناوله بكثرة كل مضطربي الشخصية ويؤدي هو إلى اضطراب الشخصية ومرضها (Psycho-pathic Anomaly) إن جرعة واحدة من الكحول قد تسبب التسمم وتؤدي : إما إلى الهيجان أو الخمود ، وقد تؤدي إلى الغيبوبة .. أما شاربوا الخمر المزمنون (ch Alcoholics) فيتعرضون للتحلل الأخلاقي الكامل مع الجنون " .

وقد كان الأطباء يزعمون في الأزمنة الغابرة وعلى زمن رسول الله وبعده وحتى عهد قريب أن للخمر بعض المنافع الطبية ثم تقدمت الاكتشافات العلمية وبطلت تلك المزاعم وتبين أيضاً أنها أوهام . وأن كلام الصادق المصدوق عنها هو الحق الذي لا ريب فيه ولا التباس . فقد قال عنها لطارق الجعفي عندما سأله عن الخمر فنهاه فقال طارق : إنما أصفها للدواء ، فقال : إنه ليس بدواء ، ولكنه داء - أخرجه مسلم والترمذي .

وعن أبي هريرة : ( نهى رسول الله عن الدواء الخبيث ) أخرجه أبو داود وأخرج أبو داود أيضاً في سننه : ( إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا بحرام ) . وعن طارق بن سويد الحضرمي قال : قلت يا رسول الله إن بأرضنا أعناباً نعصرها فنشرب منها ، قال : لا ، فراجعته قلت : إنا نستشفي للمريض قال : إن ذلك ليس بشفاء ، ولكنه داء ) أخرجه مسلم .

وتوهم بعض المتقدمين أن في الخمر منافع طبية واستدلوا على ذلك بقوله تعالى : { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } ، وقد رد كثير من الأئمة على هذا الزعم . فيقول الأمير الصنعاني في كتابه " سبل السلام " وفي كتاب " النجم الوهاج " قال الشيخ : كل ما يقوله الأطباء من المنافع في الخمر وشربها كان عند شهادة القرآن أن فيها منافع للناس قبل . وأما بعد نزول آية المائدة { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان .. فاجتنبوه لعلكم تفلحون } . فإن الله تعالى الخالق لكل شيء سلبها المنافع جملة فليس فيها شيء من المنافع . وبهذا تسقط مسألة التداوي بالخمر والذي قاله منقول عن الربيع والضحاك وفيها حديث أسنده الثعلبي وغيره أن النبي – صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تعالى لما حرم الخمر سلبها المنافع " .

والمنافع في الخمر موهومة فهي إما منافع مادية لمن يبيع الخمر ويتجر بها ، ولكنها طامة كبرى على المجتمع وخسارة مادية أية خسارة .. وإما منافع طبية وصناعية وأغلبها موهوم . مثل الاعتقاد بأن الخمر يفتح الشهية ، وقد استخدم الخمر كفاتح للشهية منذ أقدم العصور واستخدمها اليونان والرومان والفرس والعرب وتفننوا فيها .. ويستخدمها الأوروبيون اليوم وخاصة الفرنسيون وتدعى (Apenibf) أي فاتح للشهية ، وعادتهم أن لا يشربوا صعب الأطعمة إلا النبيذ وكذلك الإيطاليون .. والخمر تفتح الشهية أول الأمر فتزيد من إفراز حامض المعدة كلور الماء (Hcl) ولكنها بعد فترة تسبب التهاب المعدة .. وتعقب تلك المنفعة الموهومة مضرات وعواقب وبيلة وخيمة أولها التهابات المعدة وفقدان الشهية والقيء المتكرر وآخرها سرطان المرئ ..

وقد جاء وفد اليمن ووفد حضرموت إلى النبي وطلبوا منه أن يسمح لهم بشرب الخمر بحجة أن بلادهم باردة ، فأبى عليهم ذلك .. فقد روى أبو داود أن ديلم الحميري سأل النبي فقال : يا رسول الله إنا بأرض باردة نعالج فيها عملاً شديداً ، وإنا نتخذ من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا ويرد بلا دنا ، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : هل يسكر ؟ قال : نعم . قال : فاجتنبوه . قال : إن الناس غير تاركيه . قال : فإن لم يتركوه فقاتلوهم .

وجاء الطب الحديث بعد هذه الحادثة بألف وأربعمائة عام تقريباً ليقول لنا إن ذلك الدفء ليس إلا من قبيل الوهم . فالخمر توسع الأوعية الدموية وخاصة تلك التي تحت الجلد يشعر المرء بالدفئ الكاذب .. وكمذيب لبعض المواد القلوية والدهنية (Solvent Dehydrating Agent) كما يستخدم في الطب كمطهر للجلد وكمذيب لبعض الأدوية التي لا تذوب إلا في الكحول . كما يستخدم الكحول كمذيب للمواد العطرية ويستخدم بكثرة في صنع الروائح والعطور ( الكولونيا والبارفان ) .

وقد بطل استخدام الخمر كترياق وكدواء في الطب الحديث ، ولكن بقي استعمال الكحول كمذيب لبعض الأدوية والعقاقير .. والعجيب حقاً أن علماء الإسلام قد بحثوا هذه المسألة بحثاً دقيقاً ، وأتوا فيها بالعجب العجاب .. يقول مغني المحتاج : " إن التداوي بالخمر حرام إذا كانت صرفاً غير ممزوجة بشيء آخر تستهلك فيه . أما الترياق المعجون بها ونحوه مما تستهلك فيه فيجوز التداوي به عند فقد ما يقوم به التداوي من الطاهرات فعندئذ يتبع حكم التداوي بنجس كلحم حية وبول . وكذا يجوز التداوي بذلك لتعجيل الشفاء بشرط إخبار طبيب مسلم عدل بذلك ، أو معرفته للتداوي به وبشرط أن يكون القدر المستعمل قليلاً لا يسكر " .

ولا شك في حرمة الخمر الصرفة كدواء فهي داء وليست دواء  ولكن استعمالها في الترياق وهي الآن تستعمل في كثير من الأدوية كمذيب لبعض المواد القلوية أو الدهنية التي تذوب في الماء ، هذا الاستعمال هو المذكور في مغنى المحتاج وهو جائز بشروط :

1-    أن لا يكون هناك دواء آخر خالياً من الكحول ينفع لتلك الحالة .

2-    أن يدل على ذلك طبيب مسلم عدل .

3-    أن يكون القدر المستعمل قليلاً لا يسكر .

وإذا نظرنا إلى الأدوية الموجودة التي بها شيء من الكحول نجدها على ضربين :

الأول : مواد قلوية أو دهنية تستعمل كأدوية ولابد لإذابتها من الكحول .

أما الثاني : فمواد يضاف إليها شيء يسير من الكحول لا لضرورة ، وإنما لإعطاء الشراب نكهة خاصة ومذاقاً تعود عليه أهل أوروبا وأمريكا ، أي من حيث يأتينا الدواء جاهزاً مصنعاً .. وهذا النوع الثاني لا شك في حرمته . ولابد للطبيب المسلم أن يتروي في وصف الأدوية التي بها شيء من الكحول ، وليتجنبها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً .

ولم يسمح أحد من فقهاء الإسلام باستخدام الخمر كدواء إلا عند الضرورة القصوى مثل أن يغص امرؤ ما بلقمة ولا يجد أمامه إلا الخمر فعندئذ يجوز شربها لإزالة الغصة ، ويقول سيد سابق في فقه السُنه : ( ومثل الفقهاء لذلك بمن غص بلقمة فكاد يختنق ولم يجد ما يسيغها به سوى الخمر ) . ولكنه أي سيد سابق يقع في خطأ فاحش عندما يقول : ( أو من أشرف على الهلاك من البرد ولم يجد ما يدفع به الهلاك غير كوب أو جرعة خمر ) . وقد أوضحنا زيف ذلك الوهم الذي يقول إن الخمر تدفيء الجسم وكذلك يقع في الخطأ الفاحش حين يقول : ( أو من أصابته أزمة قلبية وكاد يموت ، فعلم لو أخبره الطبيب بأنه لا يجد ما يدفع به الخطر سوى شرب مقدار معين من الخمر ) . فهذا أيضاً خطأ فاحش .. ووهم قاتل ، فإن الخمر لا توسع الشرايين التاجية المغذية للقلب كما كان موهوماً من قبل وإنما تضيقها وذلك بترسيب الدهنيات والكوليسترول في جوفها وبذلك تساعد على تسبب جلطات القلب والذبحة الصدرية وخاصة مع التدخين فكلتا المادتين تساهم في انسداد الشرايين التاجية الأولى ( أي الخمر ) بترسيب الدهنيات والكوليسترول والثانية بانقباض الشرايين وتضييق مجراها .. وللخمر خاصية أخرى فهي تصيب عضلة القلب بالتسمم (Toxic Cordionyopathy) ، وستعرض لذلك بالتفصيل عندما نتحدث عن الخمر والقلب والجهاز الدوري ..

ونقول للشيخ سيد سابق غفر الله له إنها ليست من باب الضرورات التي تبيح المحظورات ، كما توهم . وإنما هي المضرات والمفاسد التي ينبغي أن تحظر . وقد أعجبني الإمام ابن القيم عندما تعرض لهذه النقطة في كتابه الطب النبوي . فقد كان عملاقاً شامخاً كالطود لم يهله إدعاء الأطباء في زمانه أن الخمر دواء فأوضح وأبان كيف هي داء .. وكان إيمانه بربه وبرسوله قد انتهى به إلي النهايات الصحيحة وأتى بما لم يأت به الطب في زمانه . بل والتفت إلى نقط دقيقة كل الدقة ، ولم ينتبه لها الطب إلا في الآونة الأخيرة ومنها تأثير الاعتقاد في الدواء .. فإذا كان اعتقاد المريض في الدواء حسناً حصل له نوع شفاء ، وإن كان اعتقاده سيئاً لم يحصل له ذلك  . ويسمى ذلك التأثير (Placebo Effect) ويعرفه الأطباء كافة .

فيقول ابن القيم : ( إنما حرم الله على هذه الأمة ما حرم لخبثه وتحريمه له ، حمية لهم وصيانة عن تناوله فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل . فإنه وإن أثر في إزالتها ( هذا الكلام حسب رأي الطب في إزالتها في زمانه ) لكنه يعقب سقماً أعظم منه في القلب بقوة الخبث الذي فيه فيكون المداوي به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب وتحريمه يقتضي تجنبه والبعد عنه بكل طريق وفي اتخاذه دواء حض على الترغيب فيه وملابسته .

" وهو داء كما نص عليه صاحب الشريعة فلا يجوز أن يتخذ دواء وهو يكسب الطبيعة والروح صفة الخبث لأن الطبيعة تنفعل عن كيفية الدواء انفعالاً بيناً . فإذا كانت كيفيته أكسب الطبيعة منه خبثاً ذاته . ولهذا حرم الله سبحانه على عباده الأغذية والأشربة والملابس الخبيثة . لما تكتسب النفس من هيئة الخبث وصفته " .

ولنا هنا تعليق سريع فهذه المسألة في منتهى الدقة ولم يتبينها الطب بعد بالتفصيل . فإن الأغذية والأشربة تتحول بعد الهضم والامتصاص إما إلى طاقة تحرك الجسم ووقود للعقل والقلب أو إلى مواد لبناء الأنسجة وإبدال التالف منها بجديد صالح .. ونحن نعرف الآن أن المواد النشوية والدهنية تتحول إلى طاقة بينما تتحول المواد البروتينية إلى خلايا وأنسجة ، ويقع ذلك ضمن عمليات كيماوية معقدة فدورة كريب (Krebs cycle) مثلاً هي مجموعة من العمليات الكيماوية البالغة التعقيد التي تحول سكر الدم ( الجلوكوز ) في ميتوكوندريا الخلايا إلى طاقة مخزونة عبر ما يقرب من أربعين عملية كيماوية . وتتحول ضمن دورة كريب وخارجها مجموعة من الأحماض الأمينية (Amino Acids) الهامة لبناء الخلايا والأنسجة .. فالمواد البورتينية ليست إلا مجموعة ضخمة من الأحماض الأمينية هذه .. وهكذا ترى أن ماتأكله أو تشربه يتحول بالتالي إلى محرك لعضلة يدك أو عضلة قلبك أو قادح لزناد فكرك أو يتحول إلى نفس تلك العضلة في اليد أو اللسان أو القلب أو يجري في عروقك مع دمك مكوناً الكرويات الحمراء أو البيضاء أو الصفائح أو حيواناً منوياً يخرج من صلبك وترائبك .. أفلا يدخل في تركيب جسمك وتكوين فكرك بعد هذا ما تأكله أو تشربه من الخبائث كالخمر ولحم الخنزير وغيرها مما حرمها الله ؟ بل إنها لكذلك .. أفلا يكون كلام ابن القيم بعد هذا دقيقاً كل الدقة بارعاً كل البراعة في وصف ما لم يهتم به الطب الحديث إلى اليوم ؟ .. بلى إنه لكذلك إنه كما قال ابن القيم يكسب الطبيعة والروح صفة الخبث . فكل أكل أو شرب يدخل الجوف ويجري في العروق ، مع الدم . يتمثله الجسم إما بالهدم  Catabolismفيتحول إلى طاقة أو بالبناء يتحول إلى خلايا وأنسجة .. فإذا دخل الخبث جوف ابن آدم وجرى في عروقه مجى الدم وكان الخبث مصدر نشاط  يده ولسانه وفكره وقلبه وكان الخبث عضلة من عضلات جسمه أو خلية من خلايا دمه أو حيواناً منوياً يخرج من صلبه، فالخبيث لا شك يؤثر كذلك. وهكذا تصدق عبارة بان القيم ( ولهذا حرم الله سبحانه على عباده الأغذية والأشربة والملابس لما تكتسب النفس من هيئة الخبث وصافته ) .

 ونستطرد فنسمع لابن القيم قوله :

 إن في إباحة التداوي به ( المحرم ) ولاسيما إذا كانت النفوس تميل إليه ذريعة إلى تناوله للشهوة واللذة لاسيما إذا عرفت النفوس أنه نافع لها مزيل  لأسقامها جالب لشفائها فهذا أحب شيء إليها . والشارع سد الذريعة إلى تناوله لكل ممكن ولا ريب أن بين سد الذريعة إلى تناول وفتح  الذريعة إلى تناوله تناقضاً وتعارضاً ، وأيضاً فإن هذا الدواء المحرم ( ليس دواء ) .. ما يزيد على ما يظن فيه من الشفاء وأخيراً يقول :
( وهنا سر لطيف في كون المحرمات لا يستشفي بها . فإن شرط الإغماء بالدواء تلقيه بالقبول واعتقاد منفعته . وهذا كلام يعرفه الأطباء ) .

ثم يقول ابن القيم : ومعلوم أن اعتقاد المسلم تحريم هذه العين ( الخمرة ) مما يحول بينه وبين اعتقاد بركتها ومنفعتها وبين حُسن ظنه بها وتلقى طبعه لها بالقبول . بل كلما كان العبد أعظم إيماناً كان أكره لها وأسوأ اعتقاداً فيها وطبعه أكره شيء لها . فإذا تناولها في هذه الحال كانت داء له لا دواء ..

وهذا كلام عجيب والأبحاث الطبية اليوم تتجه إليه . وذلك : اختلاف تأثير الدواء الواحد في المجتمعات المختلفة ، فبينما يؤثر الدواء في مجتمع بعينه بطريقة خاصة يختلف ذلك التأثير ولو يسيراً في مجتمع آخر ، بل إن تأثير الدواء يختلف من شخص إلى آخر ويؤثر في ذلك عوامل عديدة ليس أقلها أهمية العامل النفسي لدى متناول الدواء ، فإن كان تلقيه للدواء بالقبول واعتقاد المنفعة حصل له ولو نوع من الشفاء ، وإن كان تلقيه له بسوء الظن فيه واعتقاد مضرته لم يحصل له الشفاء ، بل ربما حصل له نوع من الضرر . وهذا باب جديد في الطب .. فلله در ابن القيم كيف استطاع أن يدرك التأثير النفسي في تلقي الدواء وهو أمر لم يدرك بعد على حقيقته بصورة واضحة إلى اليوم . والأبحاث لا تزال جارية في هذا الميدان .

أما تأثير الدواء الخبيث أو المأكل أو المشرب الخبيث في النسل فهو باب جديد من أبواب الطب :

وقد كثر الكلام فيه بعد اكتشاف قصة عقار الثاليدوميد (Thaludomide) وهو عقار مهدئ خال من المضاعفات ، فلما أُعطي للحوامل تشوهت الأجنة وخرج الأطفال بدون أطراف .. وثارت قضايا أمام المحاكم في أوروبا وخاصة في ألمانيا حيث اكتشفت هذا الدواء .. وسحب الدواء ، والشركة التي انتجته أفلست لفرط ما دفعت من غرامات وتعويضات .

وقد اتضح أن أولاد مدمن الخمر يكونون في الغالب مدمنين وتكثر فيهم نزعة الإجرام ، كما تكثر فيهم الخلل العقلي والعلة والجنون . ولكن هل ذلك ناتج من تأثير الخمر في الصبغيات ( الكروموسومات ) والناسلات ( الجينات ) التي تحمل الصفات الوراثية عبر الحيوان المنوي للرجل أو البويضة للأنثى ؟.. أم أن ذلك ناتج من تأثير البيئة الفاسدة ؟ .

يجيب العلماء في هذا بقولهم : إننا لم نكتشف ( جيناً ) ناسلاً خاصاً في الحيوان المنوي أو البويضة يحمل خاصية الإدمان ، ولكننا نعلم أن نسبة المدمنين عالية جداً بين الذين لهم تاريخ عائلي بالإدمان ( 62%) ، بينما تكون النسبة لدى شاربي الكحول العاديين (Social Drunkers) منخفضة وهي (16%) كما يقول الدكاترة سيتل فوجتلين ولامير الذين يعملون في مصح شادل لمعالجة الإدمان ، وهو أشهر مصح لمعالجة الإدمان في الولايات المتحدة ..كما أجريت تجارب أخرى فنقل أولاد المدمنين من أسرهم وهم أطفال وأنشئوا نشأة عادية في بيئة بعيدة عن الإدمان ، فوجد أن نسبة كبيرة منهم انقلبت إلى الإدمان عندما تعرضت لشرب الخمور . وهذا يدل على أن هناك استعداداً وراثياً على الأقل للإدمان بين المدمنين .. وأن شرب الخمور يؤدي بالتالي إلى إيجاد حيوانات منوية لدى الرجل أو بويضة لدى المرأة مصابة في إحدى ناسلاتها ( جيناتها ) الاستعداد لشرب الخمور لدرجة الإدمان .. وباختصار كما يقول الدكتور لنكولن ويليامز في كتابه القيم (Alcoholism Explained): شرح إدمان الخمر إن بذرة الإدمان تنمو بسرعة في تربة الإدمان العائلي .وهكذا تتضافر عوامل الوراثة مع عوامل البيئة في إيجاد ذرية تميل إلى الإدمان أي أنها بمجرد شرب الخمور لا تملك القدرة على التوقف ، كما يتوقف معظم الشاربين ، وإنما يستمرون في الشراب حتى الثمالة .

وقبل أن ننهي هذا الفصل " التداوي بالخمر " نورد بعض الحوادث التي تدل على عمق الإيمان . وكيف كان المسلمون يتقبلون كلام الله ورسوله الكريم بالطاعة التامة .. ولا يصدقون في ذلك اقوال الأطباء في زمانهم .. ثم يتطور العلم ويتقدم الطب ، فإذا الطب الحديث يكتشف صدق ما ذهب إليه هؤلاء وزيف ما اعتقده الأطباء في تلك الأزمنة ، وقد أوردنا مقالة ابن القيم في هذا الصدد .

قال أحدهم للإمام جعفر الصادق : إن بي وجعاً وأنا أشرب النبيذ ، وقد وصفه لي الطبيب ، فقال له : ما يمنعك من الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي ؟ قال : لا يوافقني . قال : فما يمنعك من العسل الذي قال الله فيه شفاء للناس ؟ قال : لا أجده . قال : فما يمنعك من اللبن الذي نبت منه لحمك واشتد عظمك ؟ قال : لا يوافقني . قال : تريد أن آمرك بشرب الخمر .. لا والله لا آسرك .. وسئل الصادق عن الدواء الذي يعجن بالخمر . فقال : ما أحببت أن انظر إليه ولا أشمه .. فكيف أتداوى به ؟

2 - الــتــداوي بــالــدم

        تحريم الدم بين الطب والإسلام

قال تعالى : { قُل لا أجدُ في ما أُوحِي إليَّ مُحرَّماً على طَاعمٍ يَطعَمُهُ إلا أَن يكونَ مَيتَةً أو دماً مسفُوحاً أو لَحمَ خِنزيرٍ فإِنَّهُ رِجسٌ أو فِسقاً أُهِلَّ لِغيرِ الله بِهِ ، فَمَن اضُطَّر غيرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ سورة الأنعام : الآية 145 ] .

وقال تعالى : { إِنَّما حَرَّمَ عَلَيكُمُ المَيتَةَ والدَّمَ ولَحمَ الخِنزِيرِ ومَا أُهِلَّ بِهِ لِغيرِ الله فَمَن اضطُرَّ غَيرَ بَاغٍ ولا عَادِ فَلا إِثمَ عَليهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رحيم }
[ سورة البقرة : الآية 173 ] .

يقول الدكتور وهبة الزحيلي : الدم المسفوح أي الدم المهراق السائل الذي يجري ويتدفق من عروق المذبوح .. قال ابن عباس : يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء و ما يخرج من الأوداج عن الذبح ، فلا يدخل فيه الدم الجامد كالكبد والطحال ولا الدم المختلط باللحم ، ولا ما تبقى في العروق من أجزاء الدم .. وقال القرطبي : اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس لا يؤكل ولا ينتفع به . وينقل عن ابن خويز منداد قوله : وأما الدم فمحرم ما لم تعم به البلوى ، والذي تعم به البلوى هو الدم في اللحم وعروقه .

روت عائشة - رضي الله عنها قالت : كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم ، تعلوها الصفرة من الدم فنأكل ولا ننكره .. لأن التحفظ بهذا إصر ومشقة . وينقل عن عمران بن حدير قوله : سألت أبا مجلز عما يختلط باللحم من الدم وعن القدر يرى فيها حمرة الدم ، فقال لا بأس بذلك إنما نهي عن الدم المسفوح . وقد اتفقت المذاهب على تحريم الدم المسفوح من الحيوان المذكى ، وكذلك كل دم يسيل من حيوان حي أو حيوان محرم ، فقليله وكثيره حرام .

وقد استدل الفقهاء على نجاسة الدم بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم للمستحاضة والحائض بغسل الدم .. فقد روى البخاري ومسلم عن عائشة – رضي الله عنها أن النبي – صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة : " إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلّي " .

أما دم الشهيد فقد اعتبره الشارع طاهراً ما دام تكريماً له ، أم ما بقي في لحم الدابة المذكاة وعروقها فهو طاهر حلال .. وأما دم السمك فقد قال الحنفية بطهارته والمالكية والحنابلة على نجاسته ، وعند الشافعية قولان في ذلك .

مضار تناول الدم على الصحة :

يحمل الدم سموماً وفضلات كثيرة ومركبات ضارة وذلك لأن إحدى وظائفه الهامة هي نقل نواتج الغذاء في الخلايا من فضلات وسموم ليصار إلى طرحها ، وأهم هذه المواد هي البولة Urea وحمض البول Uric Acid والكرياتنين وغاز الفحم ، كما يحمل بعض السموم التي ينقلها من الأمعاء إلى الكبد ليصار إلى تعديلها ... وعند تناول كمية كبيرة من الدم فإن هذه المركبات تمتص ويرتفع مقدارها في الجسم ، إضافة إلى المركبات التي تنتج عن هضم الدم نفسه ،، مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة البولة في الدم والتي يمكن أن تؤدي إلى إعتلال دماغي ينتهي بالسبات .وهذه الحالة تشبه مرضياً ما يحدث في حالة النزف الهضمي العلوي ، ويلجأ عادةً هنا إلى امتصاص الدم المتراكم في المعدة و الأمعاء لتخليص البدن منه ووقايته من حدوث الإصابة الدماغية .. وهكذا فإن الدم كما رأينا يحتوي على فضلات سامة مستقذرة لو أخذ من حيوان سليم ، علاوة على احتوائه على عوامل مرضية وجرثومية فيما لو أخذ من حيوان مريض بالأصل .

الدم وسط صالح لنمو الجراثيم وتكاثرها :

إذا أنه من المتفق عليه طبياً أن الدم أصلح الوساط لنمو شتى أنواع الجراثيم ولتكاثرها ، فهو أطيب غذاء لهذه الكائنات ، وأفضل تربة لنموها ، وتستعمله المخابر لتحضير المزارع الجرثومية .. ولرد سائل يقول : ألا يحتوي الدم على الكريات البيضاء التي تقوم على بلعمة الجراثيم والتهامها ، وهي من أهم وظائف الدم الدفاعية .

والجواب : إن هذا صحيح عندما يكون الدم جارياً ضمن أوعيته داخل البدن الحي ، لكن يفقد خاصته الدفاعية هذه عندما يبتعد عن الأوعية الدموية التي تحفظه أثناء الحياة . وبذلك يصبح عرضة للتلوث الجرثومي السريع ، سواء من أداة الذبح ، أو الآنية التي يوضع فيها أو الأيدي الملوثة أو من الجو المحيط وما فيه من غبار وجراثيم التعفن وسواها ، وهي في الغالب مقاومة لحرارة الطهو ، خلافاً للجراثيم نفسها .

هل يصلح الدم ليكون غذاء للإنسان :

إن ما يحتويه الدم من بروتينات قابلة للهضم كالألبومين والغلوبولين والفبرينوجين هو مقدار ضئيل ( 8 غ / 100مل ) وكذلك الأمر بالنسبة للدسم . في حين تحتوي الدم على نسبة كبيرة من خضاب الدم ( الهيموغلوبين ) وهي بروتينات معقدة عسرة الهضم جداً ، لا تحتملها المعدة في الأغلب ، ثم إن الدم إذا تخثر فإن هضمه يصبح أشد عسرة ، وذلك لتحول الفيبرينوجين إلى مادة الليفين Fibrin الذي يؤلف شبكة تحصر ضمنها الكريات الحمر – العلقة – والفيبرين من أسوأ البروتينات وأعسرها هضماً .وبالطبع لا يفضل تناول الدم للحصول على عناصر الحديد ، لأن الحديد الموجود في الدم هو حديد عضوي ، الذي هو أبطأ وأقل امتصاصاً من الحديد اللاعضوي المتوفر في مصادر كثيرة ومتنوعة ، كما أنه يعوض عن الدم .. بتناول الكبد والطحال الذين لهما فوائد لا يشك بها ..وهكذا فإن علماء الصحة لم يعتبروا الدم بشكل من الأشكال في تعداد الأغذية الصالحة للبشر ، وإن احتواءه على السموم وفضلات الاستقلاب المؤذية للدماغ وغيره من الأعضاء النبيلة ، وعلى كونه وسطاً مناسباً لتكاثر الجراثيم بعد خروجه من الحيوان المذبوح أو الحي ، يعرضه بسرعة للتفسخ والفساد . ويجعله ضاراً مؤذياً كل هذا يفسر الحكمة من تحريمه ، ويعلل نجاسته . هذا بالنسبة للدم المسفوح ، أما الدم المتبقي في اللحم والعظم و العروق فهو زهيد لا ضرر منه ، معفو عنه لئلا يقع الناس في الحرج والمشقة .
 قالى تعالى :
{ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [ سورة البقرة : الآية 185]

وقال تعالى : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } [سورة الحج : الآية 87]

ويجب أن نعلم أن الحكمة الأولى في كل أمر أو نهي هي طاعة الله سبحانه وتعالى فيما أمر به أو نهى عنه لليقين بأن الله تعالى أعلم بما هو خير في حياة الإنسان وما هو ضار لجسده وصحته ، وعندما نكتشف حكمة ما وراء التحريم ، علينا أن لا نحصر حكم التشريع فيما علمنا واكتشفنا بل علينا أن نتطلع إلى كشف المزيد من الحِكم الإلهية اللطيفة .

الاضطرار إلى الدم :

عندما يتوقف شفاء المريض أو إنقاذ حياته على مادة ما نجسة ، سواء للعلاج أو الغذاء ، لا يتوفر بين أيدينا مادة بديلة طاهرة ، جاز لنا استعمال النجس تحت عنوان " الضرورة المشروعة " . وعلى قاعدة أجمع عليها فقهاء الأمة هي : الضرورات تبيح المحظورات .
 بدليل قوله تعالى :
{ وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه } [سورة الأنعام : الآية 119] .

ولقوله تعالى : { فمن اضطر غير باغ ولاعادِ فلا إثم عليه } [سورة البقرة : الآية 173]

1-  فقد يضطر إلى الدم للتغذي به عند فقدان الطيب المباح ، وإذا غلب على الظن :إن تناول الدم سيسبب ضرراً أكبر من ضرر الجوع فإنه لا يجوز تناوله .

2-  وقد نضطر إلى استعمال المصول الدموية في الدواء لدى تعينها كالمصل المضاد لسم الأفاعي وغيرها ، فإن الاضطرار إليها يبيحها مع أنها مستحصلة من دم الحيوانات كالحصان أو من دم الإنسان الناقه من مرض معين .

3-  وقد نضطر إلى نقل الدم لإسعاف المصابين بنزوف خطيرة والانسمامات وفاقات الدم الشديدة ، أو للتحضير للأعمال الجراحية الكبيرة التي يفقد المبضوع كمية كبيرة من دمه خلالها o:p</o:p> .

4-  في أسبوع الفقه الإسلامي ( كان على رأس المشاركين الشيخ محمد أبو زهرة والأساتذة المنتصر الكتاني و محمد المبارك ومصطفى الزرقا وغيرهم ) – دمشق 1960م – عرض موضوع التداوي بمستحضرات هرمونية مثل Heomodausse مستخلصة من دماء العجول الفتية .. وقد اتفق العلماء المشاركون على جواز التداوي بأمثال هذه المستحضرات لأن المحرم بنص القرآن – كما قالوا – هو الدم المسفوح ، وهذا لا يقال له دم مسفوح ، كما أن عملية استخلاص العناصر الهرمونية بطرق كيماوية مختلفة تؤدي إلى تغير صفتها الدموية ، وينطبق عليها مبدأ الاستحالة ، أي تحول الشيء من طبيعته إلى طبية أخرى ، كتحول الخمر إلى خل ..وعلى هذا فلا مانع من تناول هذه المستحضرات شرعاً .

3 - التداوي بنجس من الأطعمة والأشربة

               " السيل الجرار ج4/ص94"

يحرم كل ذي ناب من السبع ومخلب من الطير والخيل والبغال والحمير الأهلية وما لا دم له من البري غالباً وما وقعت فيه ميتة إن أنتن بها وما استوى طرفاه من البيض وما حوته الآية إلا الميتتين والدمين ومن البحري ما يحرم شبهه في البري كالجري والمار ما هي والسلحفاة

يحرم كل ذي ناب من السبع وذي مخلب من الطير :

أقول هكذا جاءت السُنة الصحيحة الثابتة من طريق جماعة من الصحابة بأنه يحرم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ولا خلاف في ثبوت ذلك .. وقيام الحجة به فلا يخرج من هذا العموم الشامل إلا ماخصصه الدليل الذي تقوم به الحجة فمن جاءنا بالخاص المقبول فبها ونعمت ، وجب علينا بناء العام على الخاص ، ومن لم يأت فهو محجوج بهذا العموم وكلامه رد عليه ، ومما ينتهض لتخصيص عموم كل ذي ناب من السباع " حديث عبد الرحمن بن عبدالله ابن أبي عمارة " قال : قلت لجابر الضبع أصيد هي ، قال : نعم ، قلت : آكلها ، قال : نعم ، قلت : أقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : نعم . أخرجه الشافعي وأحمد وأهل السُنن والبيهقي وصححه البخاري والترمذي وابن حبان وابن خزيمة .

وأما إعلال ابن عبد البر لهذا الحديث بعبد الرحمن المذكور فوهم ، فإنه ثقة مشهور وثقة جماعة من الحفاظ ، ولم يتكلم فيه أحد .. وهكذا لا وجه لإعلاله بالإرسال ، ولم يعارض بشيء .

قـولــه والـخـيـل :

أقول لم يأت دليل يدل على تحريمها والأصل الحل لعموم قوله عز وجل قل لا أجد فيما أوحي إلي ومع هذا فقد ورد في حل أكلها ما تقوم الحجة ببعضه فثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في لحوم الخيل " ، وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أسماء بنت أبي بكر قالت : ذبحنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً ونحن بالمدينة فأكلناه ، وفي لفظ لأحمد فأكلناه نحن وأهل بيته .. وقد أجمع الصحابة على حل الخيل ولم يخالف في ذلك أحد منهم ، وقد كانت الجاهلية تأكلها في الإسلام وقرر ذلك.

وما روى عن ابن عباس من أنه قال بكراهيتها فلم يثبت ذلك عنه من وجه صحيح ، وقد قال بالكراهة الحكم بن عتيبة ومالك وبعض الحنفية والحق الحل بلا كراهة .. وأما الاستدلال على التحريم بقوله عز وجل : { والخيل والبغال والحمير لتركبوها } فساقط لأن الامتنان بنعمة من النعم التي أنعم الله بها على عباده فيما خلقه من الحيوانات لا ينافي غيرهما من النعم هذا على تقدير عدم ورود الأدلة الدالة على الحل فكيف وقد وردت هذه الأدلة التي ذكرناها والبعض منها يكفي وأيضاً لو نظرنا إلى الأدلة القرآنية فقط لكان قوله عز وجل : { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً } الآية ، وقوله : {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} يدلان بعمومهما على الحل ولا يصلح مجرد الامتنان بنعمة الركوب والزينة لتخصيص عمومهما لعدم الملازمة بين الامتنان والتحريم ، وأيضاً الآية أعني قوله لتركبوها مكية بالاتفاق وتحليل الخيل كان بعد الهجرة ، فلو فرضنا أن فيها دلالة كما زعموا لكانت منسوخة بأدلة التحليل .

قـولـه والـبـغـال :

اقول قد ذهب الجمهور إلى تحريمها ولابد من مخصص لها من عموم قوله { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما } وقد أخرج أحمد والترمذي بإسناد لابأس به من حديث جابر قال : حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر لحوم الحمر الإنسية ولحوم البغال ، وأخرج أحمد من حديث خالد بن الوليد بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن ينادى وفيه وحرام عليكم لحوم الحمر الأهلية وخيلها وبغلها وقد ضعفه جماعة من أهل الحديث ولكنه معتضد بالحديث الأول وبعموم القرآن وأخرجه ايضاً أبو داود من حديثه بلفظ نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير ، ولم ينهنا عن الخيل وأخرجه أيضاً ابن حبان وصححه .

أقول الأحاديث الثابتة في تحريم الحمر الأهلية متواترة فمنها في الصحيحين من حديث جابر وابن عمر وابن عباس وأنس والبراء بن عازب وسلمة بن الأكوع وأبي ثعلبة الخشني وعبدالله بن أبي أوفى وهو أيضاً في صحيح البخاري من حديث زاهر الأسلمي وهو في الترمذي من حديث أبي هريرة والعرباض بن سارية وهو أيضاً عند أبي داود والنسائي من حديث خالد بن الوليد وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وعند أبي داود والبيهقي من حديث المقدام بن معد يكرب فالقائل بحلها مخالف لما تواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ..وأما قول جابر بن زيد أنه أبى تحريم الحمر الأهلية البحر ابن عباس وقرأ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً الآية فيقال لجابر قد أبى هذا الإباء من البحر ابن عباس هذه البحار الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو من جملة رواتها والحجة في روايته لا في رأيه ولو كان بيده رواية لم تقو على مطاولة هذه الجبال الرواسي .

وأما التمسك بعموم الآية فإذا لم يصلح لتخصيصها ما ثبت في السُنة تواتراً لم يصلح شيء من السُنة للاستدلال به للقطع بأن المتواتر منها هو أرفع درجاتها وأعلى رتبها وما استلزم الباطل المجمع على بطلانه باطل بالإجماع . وأما ما أخرجه أبو داود عن غالب بن أبجر قال أصابتنا سنة فلم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت إنك حرّمت لحوم الحمر الأهلية وقد أصابتنا سنة قال : أطعم أهلك من سمين حمرك فإنما حرمتها من أجل جوال القرية فلا يقوم به الحجة لما في إسناده من الضعف وفي متنه من الشذوذ هذا على تقدير عدم المعارض له فكيف وهو خلاف ما تواتر من السُنة ..وأما الحمر الوحشية فالإجماع على حلها ثابت وقد صادها الصحابة وأكلوها وأكلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والأمر أوضح من أن يحتاج إلى التنبيه عليه .

قوله وما لا دم له من البري

أقول قد عرفت أن القرآن قد دل على أصالة الحل فلا يخرج عنه إلا ما دل الدليل الصحيح على تحريمه وأما استدلال من استدل على تحريم الأكل بكون الحيوان مأموراً بقتله منهياً عن قلته فهذا استدلال آخر وهو أن الأمر بالقتل أوهو النهي عن القتل يقتضيان تحريم المأمور بقتله أو المنهي عن قلته ولا دليل على ذلك .

وأما الاستدلال على تحريم ما تستخبثه بقوله تعالى كلوا من الطيبات وبقوله كلوا من طيبات ما رزقناكم فغاية ذلك الأمر بأكل ما طاب من دون تعرض للمنع من أكل ما لم يطب وهو المستخبث إلا على القول بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده وهو هنا بعيد ولكن إذا ضم إلى ذلك قوله تعالى ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث أفاد المطلوب من تحريم الخبائث.

وأما قوله وما وقعت فيه ميتة إن أنتن بها فوجهه أنه قد صار مستخبثاً

وأما قوله وما استوى طرفاه من البيض فلعل وجه هذا الاستقراء ولا يستوي الطرفان إلا في بيض ما يحرم بيضه ولا فائدة لهذا التنصيص على هذا الجزئي بل ما كان حراماً كان بيضه حراماً وكذلك جميع أجزائه .. وأما استثناء الميتتين والدمين فوجه ذلك ما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم أحل لكم ميتتان ودمان كما تقدم وهو يخصص عموم حرمت عليكم الميتة .

قوله ومن البحري ما يحرم شبهه في البري  

أقول هذه الكلية محتاجة إلى دليل فإن حيوانات البحر قد دخلت تحت قوله قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً وما ورد في معناه واختصت بقوله تعالى :{ أحل لكم صيد البحر } وقوله صلى الله عليه وسلم هو الطهور وماؤه الحل ميتته فلا وجه للقول بتحريم ما يشابه ما حرم من البري بل يقال الأصل حل كان حيوان بحري إلا ما أخرجه الدليل من هذا الأصل ومن عموم الأدلة أو كان مستخبثاً لما تقدم . ولمن خشي التلف سد الرمق منها ويقدم الأخف فالأخف إلى بضعة منه وندب حبس الجلالة قبل الذبح وإلا وجب غسل المعاء كبيضة الميتة ويحرم شم المعضوب ونحوه كالقبس لا نوره ويكره التراب والطحال والضب والقنفذ والأرنب والوبر.

قوله فصل ولمن خشي التلف سد المرق منها

أقول كان يحسن من المصنف أن يقتدي بعبارة القرآن الكريم في قوله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه فمجرد حصول الضرورة إلى الأكل من الميتة مسوغ لأكلها وإن لم يخش التلف ويجوز له أن يأكل منها ما يكفيه ولا يلزمه الاقتصار على مجرد سد الرمق وحكم غير الميتة من المحرمات حكمها لأن تحريمها لا يزيد على ص 102.

تحريم الميتة ولهذا وقع الاستثناء في الكتاب العزيز بقوله إلا ما اضطررتم إليه ولكنه ينبغي تقديم ميتة المأكول على غير المأكول لأن استخباث النفس لميتة المأكول دون استخباثها لميتة غير المأكول وهو معنى قول المصنف ويقدم الأخف فالأخف ... وأما قوله ( إلى بضعة منه ) فلا شك أن في هذا إضرار بالنفس فإن كان دون ضرر الجوع فعل وذلك بأن يخشى إن بقي على الجوع أن ينتهي إلى الموت ولا يخشى مثل ذلك في أكل بضعة من نفسه .

قوله وندب حبس الجلالة قبل الذبح

أقول قد ثبت النهي عن أكل لحمها كما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وحسنه بلفظ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والحكام والدارقطني والبيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال نهى رسول الله صلى الله ولسلم عن لحوم الحمر الأهلية وعن الجلالة عن ركوبها وأكل لحومها وفي الباب عن أبي هريرة في النهي عن الجلالة قال ابن حجر وإسناده قوي وثبت أيضاً النهي عن شرب لبنها من حديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي وصححه الترمذي وابن دقيق العيد وظاهر هذه الأحاديث التحريم لأنه حقيقة النهي فلا يجوز ذبحها قبل الحبس فإن فعل كان أكلها حراماً لا كما قال المصنف وإلا وجب غسل المعاء كبيضة الميتة فإنه لا دليل يدل على أن هذا الغسل محلل لذلك المحرم .

قوله ويحرم شم المغضوب

أقول المحرم هو أن يأتي إلى العين المغصوبة فيشتمها لا إذا فاحت رائحتها في الهواء فوصلت إلى محل الشم من الذي يقصد ذلك فإن هذا لا تحريم فيه والتكليف به تكليف بما لا يطاق وهو لم يشتم نفس المغصوب إنما كان ذلك بتموج الهواء وإصال بعض أجزائه لتلك الرائحة إلى بعض ..

وأما قوله لا نوره فكان على المصنف أن يجعله كالشم لأنها أعراض مفصلة من النار كانفصال أعراض الرائحة الطيبة ولا فرق بينهما إلا كون هذا العرض النوري من الأعراض المدركة بحاسة البصر ورائحة الطيب من الأعراض المدركة بحاسة الشم والحق ما عرفناك من أن ذات النار فضلاً عن لهبها فضلاً عن مجرد نورها مشتركة بين العباد.

قوله ويكره التراب

أقول وجهه أنه مما يضر بالبدن ويؤدي إلى التلف كما ذلك معلوم بالوجدان في كلم من حبب إليه أكل نوع من أنواع التراب وحفظ النفس واجب وقد قال الله عز وجل ولا تقتلوا أنفسكم وقد ثبت في السُنة أن قاتل نفسه يخلد في النار ولا فرق بين سبب وسبب فهذا يدل على تحريم أكل التراب وأما إنكار مجرد الكراهة لعدم صحة الأجلة الواردة في النهي عن التراب فمن ضيق الطعن .

قـولـه والـطـحـال

أقول ليس على الكراهة أثاره من علم بل القول بها دفع لما ثبت في حديث أحل لنا ميتتان ودمان الكبد والطحال والسمك والجراد وقد ادعى بعض أهل العلم الإجماع على عدم الكراهة ويقدح في دعوى هذا الإجماع حكاية الترمذي في سننه عن بعض أهل العلم أنه يقول بكراهته.

قـولـه والـضـب

أقول الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيح قد دلت على أنه حلال كما في قوله صلى الله عليه وسلم كلوا فإنه حلال ولكنه ليس من طعامي كما في صحيح مسلم وغيره وكما في الصحيحين وغيرهما عن خالد بن الوليد أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم أحرام الضب يا رسول الله قال : لا ، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه قال خالد : فاجتررته فأكلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر فهذا يدل دلالة بينة أنه حلال وأنه لم يترك أكله صلى الله عليه وسلم إلا لكونه ليس مما يؤكل في أرض قومه فعافه ومثل هذا لا تثبت به الكراهة .

قـولـه والـقـنفـذ

أقول هو من حشرات الأرض وقد أخرج أبو داود عن ملقام بن تلب عن أبيه قال : صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أسمع لحشرات الأرض تحريماً قال البيهقي وإسناده غير قوي ولكنه أخرج أحمد وأبو داود من حديث أبي عيسى ابن نميلة الفزاري عن أبيه قال : كنت عند ابن عمر فسئل عن أكل القنفذ فتلا هذه الآية قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً الآية فقال شيخ عنده سمعت أبا هريرة يقول ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال خبيثة من الخبائث فقال ابن عمر إن كان قال رسول الله هذا فهو كما قال ، قال الخطابي ليس إسناده بذاك وقال البيهقي إسنادة غير قوي ورواية شيخ مجهول وقال ابن حجر في بلوغ المرام إسناده ضعيف فعلى هذا لا تقوم به الحجة في تحريم القنفذ ولا في كراهته وأما إسحاق بن نميلة فقد ذكره ابن حبان في الثقات .

والحاصل أن القول بكراهته فقط غير صواب لأنه إن كان الدليل على ذلك حديث أبي عيسى بن نميلة فهو يدل على التحريم وإن كان الدليل على ذلك غيره فما هو والأصل الحل بدليل الكتاب العزيز كما قدمنا الإشارة إلى ذلك ومما يدل على هذه الأصالة ما أخرجه الترمذي وابن ماجة من حديث سلمان الفارسي قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء فقال الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا لكم عنه وأخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك .

وأخرج البزار وقال سنده صالح والحاكم صححه من حديث أبي الدرداء رفعه بلفظ ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئاً وتلا وما كان ربك نسيا .

وأخرج الدارقطني من حديث أبي ثعلبة رفعه إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدوداً فلا تعتدوها وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها .

وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته وفي الصحيحين أيضاً من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وفي الباب أحاديث شاهدة لثبوت أصالة الحل في كل شيء ما لم ينقل عنه ناقل تقوم به الحجة .

قـولـه والأرانـب

أقول استدلوا على الكراهة بما أخرجه وأحمد والنسائي بإسناد رجال ثقات من حديث أبي هريرة قال : جاء إعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأرنب فلم يأكل وأمر أصحابه بأن يأكلوا ولا دليل في هذا الكراهة لأن إمساك النبي صلى الله عليه وسلم يمكن أن يكون لسبب من الأسباب كعدم الإلف لأكلها أو عدم انبعاث الشهية إليها ومثل هذا الحديث من الدلالة على الحل وعدم الكراهة ما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث محمد بن صفوان أنه صاد أرنبين فذبحهما بمروتين فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بأكلهما ... وكذلك ما في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس قال أنفجنا أرنباً بمر الظهران فسعى القوم فلغبوا وأدركتها وأخذتها فأتيت بها أبا طلحة فذبحها وبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوركها وفخذها فقبله قال ابن حجر في الفتح والقول بحل الأرنب هو قول العلماء كافة إلا ما جاء في كراهتها عند عبدالله بن عمرو بن العاص من الصحابة وعن عكرمة من التابعين وعن محمد بن أبي ليلى من الفقهاء واحتجوا بحديث خزيمة بن جزء قال قلت يا رسول الله ما تقول في الأرنب قال لا آكله ولا أحرمه قلت ولم يا رسول الله قال نبئت أنه تدمى قال ابن حجر وسنده ضعيف ولو صح لم يكن فيه دلالة على الكراهة .

ويحرم كل مائع وقعت فيه نجاسته لا جامد إلا ما باشرته والمسكر وإن قل إلا لعطش متلف أو إكراه والتداوي بالنجس وتمكينه غير المكلف وبيعه والانتفاع به إلا في الاستهلاك واستعمال آنية الذهب والفضة والمذهبة والمفضضة ونحوها وآلة الحرير إلا للنساء ويجوز ما عدا ذلك والتجمل بها .

ويحرم كل مائع وقعت فيه نجاسة لا جامد إلا ما باشرته .. أقول استدلوا على هذا بما أخرجه البخاري وغيره من حديث ميمونة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت في سمن فماتت فقال القوها وما حولها وكلوا سمنكم وفي لفظ من هذا الحديث لأبي داود والنسائي أنه صلى الله عليه وسلم عن الفارة تقع في السمن فقال إن كان جامداً فألقوها وما حولها وإن كان مائعاً فلا تقربوه وفيه التفرقة بين الجامد والمائع .

وأخرج أحمد وأبو داود عن حديث أبي هريرة قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فأرة وقعت في سمن فماتت فقال إن كان جامداً فخذوها وما حولها ثم كلوا ما بقي وإن كان مائعاً فلا تقربوه فتعين حمل رواية ميمونة على السمن الجامد ودلت الرواية الأخرى منه وكذلك حديث أبي هريرة على أنه لا يحل قربانه إذا كان مائعاً وهو معنى التحريم فما قاله المصنف هو مدلول ما ذكرناه من الحديثين ولم يعارض ذلك شيء تقوم به الحجة .

قوله والمسكر إن قل / اقول قد ثبت تحريم الخمر بالكتاب والسُنة وإجماع المسلمين أولهم وآخرهم لم يخالف في ذلك أحد منهم وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة .

الثابتة ثبوتاً متواتراً أنه قال كل مسكر خمر وكل خمر حرام وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في أحاديث أنه قال ما أسكر كثيره فقليله حرام فحصل على مجموع الأدلة أن كل مسكر من اي نوع خمر وتحريم الخمر ثابت بالضرورة الدينية وأن ما سكر كثيره فقليله حرام فلا يحل نوع من أنواع المسكر قليلاً كان أو كثيراً وأما النبيذ فلا دخل له في الكلام على تحريم الخمر فإن الاتفاق كائن على أنه إذا أسكر كان حراماً .

والتداوي بالنجس

أقول ما حرم الله سبحانه فهو حرام في جميع أحواله ومن ادعى أنه يحل في حالة خاصة وهي حالة التداوي احتاج إلى دليل بخصوص هذا العموم وإلا فعموم الأدلة يرد عليه قوله ويدفع دعواه وهكذا النجس يحرم التلوث به وملابسته في جميع الأحوال .. فمن ادعى أنه يجوز في حالة التداوي فعليه الدليل المخصص لهذا العموم وإلا كان قوله رداً عليه وإذا تقرر لك هذا علمت أن المدعي بجواز التداوي بالحرام والنجس هو المطالب بالدليل لا المانع من ذلك فإن مجرد قيامه مقام المنع يغنيه حتى يزحزحه الدليل فلا يطالب لشيء في قواعد المناظرة لأنه قائم مقام المنع ومتمسك بالأدلة العامة الشاملة لمحل النزاع ومع هذا فقد ورد الدليل الدال على المنع من التداوي بالحرام فأخرج أبو داود من حديث أبي الدرداء قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا بحرام وما قيل من أن في إسناده إسماعيل بن عياش فهو إنما يضعف في روايته عن الحجازيين لا في روايته عن الشاميين وهو هنا روى هذا الحديث عن ثعلبة بن مسلم الخثعمي وهو شامي ثقة .

ويؤيده ما أخرجه مسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدواء الخبيث ومعلوم أن الحرام خبيث وأن النجس خبيث .

وثبت عند مسلم وأحمد وأبي داود والترمذي وصححه من حديث وائل بن حجر أن طارق بن سويد سأل النبي صلى الله عليه وسلم على الخمر فنهاه عنها فقال إنما أصنعها للدواء فقال إنه ليس بدواء ولكنه داء .

ولا يعارض هذه الأدلة إذنه صلى الله عليه وسلم للعرنين أن يشربوا من أبوال الإبل للتداوي بها فإن الخلاف في كونها نجسة أو محرمة معروف مقرر في مواطنه .

وعلى تقدير أنها نجسة أو محرمة فينبغي بناء العام على الخاص فيكون حديث العرنين مخصصاً لتلك الأدلة العامة ولما ذكرناه بعده .

قوله وتمكينه غير المكلف

اقول هذا نبأ غريب وتكليف عجيب لا يرجع إلى عقل ولا نقل ولا رواية ولا دراية ولم نسمع من ايام النبوة إلى هذه الغاية أن منكراً أنكر على من ألقى إلى الكلاب الميتة التي نحرت من دوابه ولا روي عن فرد من أفراد المسلمين أنه تورع في ذلك فاي معروف في مثل هذا وأي منكر يكون من غير بني آدم حتى يجب علينا أن نحلو بينه وبينه فإنه لا خلاف أن هذه التكاليف الشرعية إنما هي على بني آدم وليس من تكليفهم أن يمنعوا من لا تكليف عليه مما لم يكلف به نعم علينا إذا رأينا سبعاً قد صال على إنسان وعلى ماله أن ندفع عنه ذلك الصائل بحسب الإمكان ولكن دفعه ليس إلا الاحترام مال الآدمي ودمه كإنقاذ الغريق فما لنا والتحريم تمكينه من الميتة ونحوها .

وأما قوله وبيعه فوجهه الحديث الصحيح الذي تقدم في البيع إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه وهكذا قوله والانتفاع به لأن الملابسة للنجس غير جائزة على كل حال فلا بد أن يحمل قوله إلا في الاستهلاك على عدم المباشرة والتلوث وإلا فذاك حرام على كل حال .. فإن قلت قد أذن صلى الله عليه وسلم كما صح عنه في الانتفاع بإهاب شاة ميمونة التي ماتت وقال لهم هلا انتفعتم بإهابها وقالوا يا رسول الله إنها ميتة قال أليس في القرظ ما يطهرها فقوله أليس في القرظ ما يطهرها يعني الذبح كما في حديث أيما إهاب دبغ فقد طهر يدل على أن الإهاب كان عند سلخه من الميتة نجساً وكذلك بعد سلخه ومعالجته بالدبغ هي من المباشرة للنجس لأنه لا يطهر حتى يصير مدبوغاً فقد وقعت ها هنا المباشرة للنجس والملابسة له .. قلت يكون هذا خاصًا بمثل هذه المنفعة فلا يجوز قربان شيء من النجس إلا ما أذن به الشرع على أنه قد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إنما حرم من الميتة أكلها هكذا بصيغة الحصر وقد تقدم الكلام على نجاسة الميتة في كتاب الطهارة .

4 - بعض طرق التنويم المغناطيسي

 يعد التنويم المغناطيسي من العلوم الروحانية الهامة ، وقد قطع في تقدمه مراحل متعددة في السنوات الأخيرة باستخدامه في معالجة الأمراض النفسية المستعصية والعضوية . ولا يخالج الباحثين الشك بصحة التنويم المغناطيسي وظواهره المعروفة والمألوفة وبحوثه العميقة إلى حد أنه أصبح يدرّس في كليات الطب وفي أقسام علم النفس بكليات الآداب في بعض الدول المتقدمة .

وقد قطعت هذه الأبحاث أشواطاً بإمكان استقلال وعي الإنسان عن جسده في الزمان أو المكان ، فكانت معولاً خطراً نزل على الفلسفة المادية .. وليس التنويم الطبي كما يفهمه الناس وسيلة من الوسائل الكثيرة التي يستخدمها الدجالون للشعوذة وكسب الأموال الباطلة بخدع السذج والبسطاء ، بل وسيلة من أنجح الوسائل الطبية الشافية المبنية على أسس علمية صحيحة لا شك فيها ولا دجل ، لأن الدجالين أعجز من أن يدخلوا التنويم المغناطيسي حقل الدجل فيكتفون بإستغلال إسمه فقط لإقناع الناس بما يقومون به من شعوذة .

ويرافق عملية التنويم المغناطيسي التي يجريها المختصون أماكن خاصة معدة لهذه الغاية بعيدة عن الضوضاء ، ذات أنوار وستائر تتناسب مع عملية التنويم حتى يطمئن المريض إلى فعالية العلاج وتقبل الإيحاءات المركزة بتفاعل أعماق المريض النفسية والبدنية من قلق وعدم ثقة .

ويرجع الفضل في تعميم مفاهيم التحليل النفسي إلى العالم الكبير ( فرويد ) الذي وجه جهوده العملية لمعالجة أمراض الهستيريا بواسطة التنويم المغناطيسي ، وأوجد طريقة خاصة وهي التحدث مع المريض بهدوء وإتزان فيشرح فوائد المعالجة عن طريق التنويم لإثارة ذاكرة المريض واستكشاف أسباب الأمراض .. ويؤكد بعض العلماء المهتمين بالتنويم المغناطيسي عدم وجود ارتباط محتوم بين العقل والمخ ، وإن العقل بإماكنه الاستقلال عن المخ في الزمان والمكان ، خصوصاً عند محاولة تتبع ذاكرة المنّوم وتنقلها بين مراحل التنويم المختلفة ، ثم جاء دور دراسة الظواهر الوساطية المتنوعة – العقلية والفيزيائية – لتحديد ابعاد العلاقة بين العقل والمخ على أسس من التجريب الواقعي .

طــرق الـتـنـويــم

بعد أن يدخل المريض إلى الغرفة المعدة للتنويم يتمدد بوضع مريح للجسم ثم يطلب المنوم أن يركز نظره إلى نقطة معينة وبعد تثبيت النظر في المكان الذي حدد له . يبدأ المنوم بالعد بهدوء وبصوت منخفض وبالاحياء إلى المريض بأنه يشعر بحرقة في العين وثقل في الاجفان يتزايد أكثر وأكثر وأنه يرى غشاوة أمام عينيه ، وتنطبق أجفانه لازدياد الثقل فيهما ، بعدها يوحي إليه بأنه يشعر بارتخاء في جميع الجسم وأنه يحس بحاجة إلى النوم ، وإذا لم يكن المريض قد أغلق عينيه يبادر المنوم إلى اغلاقهما بيديه ويبقي اصابعه فوقهما مدة من الزمن لتبدأ الايحاءات تلعب دورها الرئيسي ، لذلك ينتقي الكلمات التي تهيئ لتخيلات المريض اتصالات بمختلف الاتجاهات وبازدياد هذه الاتصالات تزداد فعالية الايحاء .

طريقة الكرسي :

يحضر كرسي له مسند عال للظهر ، ويطلب من المريض أن يقف خلف مسند الكرسي ويضع يديه فوق المسند على أن يتجه الابهامان إلى الوراء ، ثم يطلب من المنوم أن يتخيل بتركيز أن الكرسي يرتفع على رجليه الخلفيتين ، فإذا نجح المنوم بتركيز تخيلاته يبدأ الكرسي بالارتفاع فعلاً ، ومهما حاول المنوم ايقاف الكرسي عن الارتفاع بضغطه فوق المسند ، فإنه يعجز عن إيقافه وإعادته إلى وضعه السابق فوق الأرض .

الطريقة الجثمانية :

وهذه الطريقة تشمل جميع المسالك التي تمارس لجلب النوم المغناطيسي عن طريق الجسم كالانطباعات السمعية مثل الضوضاء أو نقرات الساعة أو إسالة الماء من الحنفية أو الموسيقى والرقص والتهليل بنغمة رتيبة مستساغة ، كما تفعل الأم لطفلها لحمله على النوم حيث يكون تأثير رقابة في الصوت والنغمة ، لأن الإنسان في حالة اليقظة يتعرض لاثارات صوتية متنوعة النغمة تثير انتباهه ، في حين أن الرقابة المستمرة في النغمة تبعث إلى النوم ولا تثير الانتباه .

طريقة التجزئـة :

تستعمل هذه الطريقة في الحالات التي لا يوصل بها إلى مرحلة السبات مباشرة وفيها ينوم المريض إلى درجة سطحية بالايحاء ، ثم يوقظ ويسأل عما شعر به اثناء نومه السطحي لمعرفة الايحاءات الأكثر فعالية ، فإذا أجاب أنه مثلاً شعر بارتخاء وتعب في جسمه نوّم مرة أخرى وتركيز الايحاءات في الدرجة الأولى إلى زيادة الشعور بتعب الجسم وارتخائه ، ثم يوقظ من جديد وهكذا تكرر العملية إلى أن يصل المريض إلى درجة السبات المطلوبة .

زمن التنويم :

يجمع علماء النفس والمختصون بالتنويم إن حالات النوم ومدتها تتصل بكيفية سير العملية ومراحل العمق فيها . لذلك قسموا النوم إلى ثلاث حالات ، تبدأ الحالة الأولى بالاغفاءة البسيطة التي لا تزيد على 15 إلى 20 دقيقة حيث ترتخي العضلات . والحالة الثانية يزداد النوم عمقاٌ أكثر من الحالة الأولى فيتراوح زمنها من نصف ساعة إلى ساعة والحالة الثالثة هي النوم العميق الطويل الأمد الذي يوحي إلى المريض النائم بأن يواصل نومه عدة ساعات أو أيام بلياليها وأن لا يستيقظ من نومه إلا في فترات يحددها المنوم لقضاء حاجته إلى تناول الطعام وغيرها من الحاجيات ، ثم يعود بعدها إلى النوم ثانية . وقد تستغرق أمثال هذه الجلسات عدة شهور حسب فاعليتها ومدى تحسن أحوال المريض وتقدمه نحو الشفاء التام .

فوائد التنويم المغناطيسي :

يستخدم التنويم المغناطيسي لمعالجة بعض أمراض القلب الوظيفية بإعتبارها من الأمراض النفسية ، كذلك معالجة أمراض المعدة والامعاء التي لها مساس بالمنشأ النفسي . ومعالجة بعض أمراض النساء والأمراض الجنسية بالإضافة إلى معالجة الشكل والانكماش في العضلات والارتعاصات والهوس واضطرابات النطق والتبول في الليل والأحلام المزعجة والكوابيس والربو والحساسية وجميع الأوجاع التي ترافقها تهيجات عصبية .

 

بسم الله ، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد ..

إذا كان المقصود بالتنويم المغناطيسي ما يفعله السحرة والمشعوذون فهذا حرام ، لأنه قائم على الاستعانة بالجن ، وهذه الاستعانة حرام .. وأما إذا كان المقصود بهذا العلاج الاعتماد على نظريات الإيحاء والتأثر التي تساعد الإنسان على النوم ويتم علاجه وهو لا يحس كالبنج فلا بأس .

يقول د. خالد بن عبدالله القاسم – عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود :

ما يسمى بالتنويم المغناطيسي يطلق على ثلاثة أضرب :

الضرب الأول :
وهو الشائع المنتشر ويفعله السحرة باستخدام الجن ، وهذا النوع محرم لأن إتيان السحرة حرام ، والساحر كافر بنص القرآن الكريم " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر " [ سورة البقرة : 102 ] . حيث لا يمكّن الجن الساحر من السحر إلا بعد أن يشرك بالله تعالى ، ومن ذلك الذبح لغير الله أو إهانة المصحف الشريف ، أو الاستهزاء بآيات الله تعالى ، أو السجود للشياطين ، وغير ذلك من الكفر البواح .

ولا يتصور من هذا الساحر الكافر أن يدل على الفضائل ، أو يخلص أحداً من الصفات الذميمة ، إذ أن السحر ضار غير نافع كما قال سبحانه : " ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم " [ سورة البقرة :102] . وقال سبحانه : " ولا يفلح الساحر حيث أتى " [ سورة طه : 69].

والسحر من السبع الموبقات التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ، وهو أشد من الزنى وشرب الخمر . وإني أنصح كل مسلم بتجنب السحرة والمشعوذين والكهنة والعرافين ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : " من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد " أخرجه الإمام أحمد في المسند ، وقال عليه الصلاة والسلام : " من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة " أخرجه مسلم في صحيحه .

الضرب الثاني :  نوع من الدجل والاتفاق مع بعض الحاضرين لا سيما في أماكن الجمهور لأكل أموال الناس بالباطل ولفت الانتباه .

الضرب الثالث :  طب نفسي وهو عن طريق الإيحاء والتأثير على المريض وتطويعه إلى ما يراد له ، وهذا ما يسأل عنه السائل ، وهو علم صحيح ولكنه محدود التأثير .

والمغّير فعلاً لتلك الصفات السيئة والمنشئ للصفات الحميدة هو الإيمان بالله تعالى ، والعمل الصالح ، ودعاء الله – عز وجل – والالتجاء إليه ، وهو مسبب الأسباب ، وهو قريب من عباده " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان " [ سورة البقرة :186 ] . وكما هو معلوم أن من أكبر أسباب الهداية والفلاح والتخلص من الأخلاق الذميمة قوة العزيمة ، ومجاهدة النفس ، والصبر ، وغير ذلك من الأسباب الشرعية المعلومة .

5- مــداواة الـرجــل لـلـمــرأة

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سيري باجوان - بروناي دار السلام - من 1 إلى 7 محرم 1414هـ الموافق 21-27 يونيو 1993م . بعد إطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع : " مداواة الرجل للمرأة " وبعد استماعه إلى المناقشات التي دار حوله .

قرر ما يلي :

1-  الأصل أنه إذا توافرت طبيبة متخصصة يجب أن تقوم بالكشف على المريضة ، وإذا لم يتوافر ذلك فتقوم بذلك طبيبة غير مسلمة ثقة ، فإن لم يتوافر ذلك يقوم طبيب مسلم ، وإن لم يتوافر طبيب مسلم يمكن أن يقوم مقامه طبيب غير مسلم على أن يطلع من جسم المرأة على قدر الحاجة في تشخيص المرض ومداواته ، وألا يزيد عن ذلك ، وأن يغض الطرف قدر استطاعته ، وأن تتم معالجة الطبيب للمرأة هذه بحضور محرم أو زوج أو امرأة ثقة خشية الخلوة .

2-  يوصي المجمع أن تولي السلطات الصحية جل جهدها لتشجيع النساء على الانخراط في مجال العلوم الطبية والتخصص في كل فروعها ، وخاصة أمراض النساء والتوليد نظراً لندرة النساء في هذه التخصصات الطبية ، حتى لا نضطر إلى قاعدة الاستثناء .

 

الخنزير .. رجس مبنى ومعنى !!

 أورد النص القرآني تحريم لحم الخنزير في اربع مواضع :

1-  قوله تعالى : { إنما حرم عليكم الميتة ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله }   [ البقرة : 173 ] .

2- وقوله تعالى : { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم }
[ المائدة : 3 ] .

1-  وقوله : { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير ، فإنه رجس }
 [ الأنعام : 145] .

2-  وقوله : { إنما حرّم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أّهل لغير الله به ، فمن اضطر غير باغِ ولا عادِ فإن الله غفور رحيم }
[ النحل : 115 ] .

يقول القرطبي : لا خلاف أن جملة الخنزير محرّم إلا الشعر فإنه يجوز الخرازة به .

الأضرار الصحية لتناول لحم الخنزير

الفرق بين لحم الخنزير وغيره من اللحوم :

يحتوي لحم الخنزير على كمية كبيرة من الدهون ويمتاز باندحال الدهن ضمن الخلايا العضلية للحمه علاوة على تواجدها خارج الخلايا في الأنسجة الضامة بكثافة عالية . في حين أن لحوم الأنعام تكون الدهون فيها مفصولة عن النسيج العضلي ولا تتوضع في خلاياه وإنما تتوضع خارج الخلايا وفي الأنسجة الضامة .

وقد أثبتت الدراسات العملية أن الإنسان عندما يتناول دهون الحيوانات آكلة العشب فإن دهونها تستحلب في أمعائه وتمتص ، وتتحول في جسمه فإن استحلابها عسير في أمعائه ، وإن جزيئات الغليسرين الثلاثية لدهن الخنزير تمتص دون أي تحول وتترسب في أنسجة الإنسان كدهون حيوانية أو خنزيرية .

والكولسترول الناجم عن تحلل لحم الخنزير في البدن يظهر في الدم على شكل كولسترول جزئي كبير الذرة يؤدي كثيره إلى ارتفاع الضغط الدموي وإلى تصلب الشرايين ، وهما من عوامل الخطورة التي تمهد لاحتشاء العضلة القلبية . وقد وجد البروفسور Roff أن الكولسترول المتواجد في خلايا السرطان الجوالة يشابه الكولسترول المتشكل عند تناول لحم الخنزير .

ولحم الخنزير غني بالمركبات الحاوية على نسب عالية من الكبريت ، وكلها تؤثر على قابلية امتصاص الأنسجة الضامة للماء كالإسفنج مكتسبة شكلا ً كيسياً واسعاً ، وهذا يؤدي إلى تراكم المواد المخاطية في الأوتار والأربطة والغضاريف بين الفقرات ، والى تنكس في العظام .

والأنسجة الحاوية على الكبريت تتخرب بالتعفن منتجة روائح كريهة فواحة لإنطلاق غاز كبريت الهدروجين . وقد لوحظ أن الآنية الحاوية على لحم الخنزير على الرغم من أنها محكمة السد إلا أنه يتعين إخراجها من الغرفة بعد عدة أيام نظراً للروائح الكريهة النتنة وغير المحتملة الناجمة عنها .

وبالمقارنة فإن لحوما أخرى مختلفة خضعت لنفس التجربة ، فإن لحم البقر كان أبطأ تعفناً من لحم الخنزير ولم تنطلق منه تلك الروائح النتنة ، ويحتوي لحم الخنزير على نسبة عالية من هرمون النمو والتي لها تأثير أكيد للتأهب للإصابة بخامة النهايات علاوة على تأثيره في زيادة نمو البطن
 ( الكرش ) وزيادة معدل النمو وخاصة نمو الأنسجة المهيئة للنمو والتطور السرطاني . وحسب دراسات
roffo فإن تلك الوجبة الدسمة الحاوية على لحم الخنزير تعتبر الأساس في التحول السرطاني للخلايا لاحتوائها على هرمون النمو علاوة على أثرها في رفع كولسترول الدم .

الأمراض التي ينقلها الخنزير :

لقد حرّمت الشريعة الإسلامية لحم الخنزير ، ونفذها المتدينون امتثالاً لأمر الله الخالق سبحانه وتعالى طاعة له دون أن يناقشوا العلة من التحريم ، لكن العلماء المحدثين توصلوا إلى نتائج مدهشة في هذا المجال : أليس من المدهش أن نعلم أن الخنزير مرتع خصب لأكثر من 450 مرضاً وبائياً ، وهو يقوم بدور الوسيط لنقل 57 منها إلى الإنسان ، عدا عن الأمراض التي يسببها أكل لحمه من عسرة هضم وتصلب للشرايين وسواها . والخنزير يختص بمفرده بنقل 27 مرضاً وبائياً إلى الإنسان وتشاركه بعض الحيوانات الأخرى في بقية الأمراض لكنه يبقى المخزن والمصدر الرئيسي لهذه الأمراض : منها الكلب الكاذب وداء وايل والحمى اليابانية والحمى المتوهجة و الحميرة الخنزيرية والإلتهاب السحائي وجائحات الكريب وأنفلونزا الخنزير وغيرها .

الـفـتـاوي / لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز

سأل فيها عن حكم شحم الخنزير ؟ وأنه بلغه عن بعض علماء العصر حل ذلك ؟

شحم الخنزير :

الجواب عن ذلك : أن الذي عليه الأئمة الأربعة وعامة أهل العلم هو تحريم شحمه تبعاً للحمه . وحكى الإمام القرطبي والعلامة الشوكاني إجماع الأمة الإسلامية ، لأنه إذا نص على تحريم الأشرف فالأدنى أولى بالتحريم ، ولأن الشحم تابع للحم عند الاطلاق فيعمه النهي والتحريم ، ولأنه متصل به اتصال خلقه فيحصل به من الضرر ما يحصل بملاصقته وهو اللحم ، ولأنه قد ورد في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على تحريم الخنزير بجميع أجزائه ، والسُنه تفسر القرأن وتوضح معناه ، ولم يخالف في هذا الباب أحد فيما نعلم ، ولو فرضنا وجود خلاف لبعض الناس فهو خلاف شاذ مخالف للأدلة والإجماع الذي قبله فلا يلتفت إليه . ومما ورد من السُنة في ذلك ما رواه الشيخان البخاري ومسلم في الصحيحين عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم الفتح فقال :" إن الله ورسوله حرّما بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام .." الحديث ، فجعل الخنزير قرين الخمر والميتة ، ولم يستثن شحمه بل أطلق تحريم بيعه ، كما أطلق تحريم الخمر والميتة ، وذلك نص ظاهر في تحريمه ، والأحاديث في ذلك كثيرة .
 

المواد الإضافية المحرّمة والنجسة في صناعة الغذاء والدواء

استخدام الكحول كمطهر للجلد أو المضاف للروائح والكريمات :

مادة الكحول غير نسجة شرعاً – بناء على ما سبق تقريره من أن الأصل في الاشياء الطهارة – سواء أكان الكحول صرفاً أم مخففاً بالماء ، ترجيحاً للقول بأن نجاسة الخمر وسائر المسكرات معنوية غير حسية .. وعليه : فلا حرج شرعاً من استخدام الكحول طبياً كمطهر للجلد والجروح والأدوات وقاتل للجراثيم ، أو استعمال الكريمات التي يدخل الكحول فيها . ولا ينطبق ذلك على الخمر لحرمة الانتفاع به .

المواد الغذائية التي تحتوي على نسبة من الخمور :

لا يجوز تناول المواد الغذائية التي تحتوي على نسبة من الخمور مهما تكن ضئيلة ، ولا سيما الشائعة في البلاد الغربية ، كبعض الشوكولاته وبعض أنواع المثلجات " الأيس كريم ، الجيلاتي ، البوظة " وبعض المشروبات الغازية ، اعتباراً للأصل الشرعي في أن ما أسكر كثيره فقليله حرام ، ولعدم قيام موجب شرعي استثنائي للترخيص بها .

المواد الغذائية التي يستعمل في تصنيعها نسبة ضئيلة من الكحول لإذابة الملونات والحافظات:

المواد الغذائية التي يستعمل في تصنيعها نسبة ضئيلة من الكحول لإذابة بعض المواد التي لا تذوب بالماء من ملونات وحافظات وما إلى ذلك : يجوز تناولها ، لعموم البلوى ، ولتبخر معظم الكحول المضاف في أثناء تصنيع الغذاء .

المواد الغذائية التي يدخل شحم الخنزير في تركيبها دون استحالة عينه :

المواد الغذائية التي يدخل شحم الخنزير في تركيبها دون استحالة عينه مثل : بعض الأجبان ، وبعض أنواع الزيت والدهن والسمن والزبد وبعض أنواع البسكويت والشيكولاته والآيس كريم : هي محرّمة ولا يحل أكلها مطلقاً ، اعتباراً لإجماع أهل العلم على نجاسة الخنزير وعدم حل أكله ، ولانتفاء الاضطرار إلى تناول هذه المواد .

الدواء الذي يدخل شحم الخنزير في تركيبه دون استحالة عينه :

الأنسولين الخنزيري المنشأ يباح لمرضى السكري التداوي به ، للضرورة بضوابطها الشرعية وجاء في توصيات الندوة العاشرة ما يلي : استعمال الصمامات القلبية المأخوذة من الخنزير جائز شرعاً ، للحاجة .

بيان حكم المخدرات والمفترات :

المواد المخدرة : محرّمة لا يحل تناولها إلا لغرض المعالجة الطبية المتعينة ، وبالمقادير التي يحددها الأطباء ، وهي طاهرة العين . ولا حرج في استعمال جوزة الطيب في إصلاح نكهة الطعام بمقادير قليلة لا تؤدي على التفتير أو التخدير .

إضافة المواد المحرّمة والنجسة في الغذاء والدواء مع استحالتها أو استهلاكها :

الاستحالة التي تعني :
 انقلاب العين إلى عين أخرى تغايرها في صفاتها تحول المواد النجسة أو المتنجسة إلى مواد طاهرة ، وتحول المواد المحرّمة إلى مواد مباحة شرعاً .

وبناء على ذلك :

أ – الجيلاتين المتكون من استحالة عظم الحيوان النجس وجلده وأوتاره : طاهر ، وأكله حلال.

ب – الصابون الذي ينتج من استحالة شحم الخنزير أو الميتة يصير طاهراً بتلك الاستحالة ، ويجوز استعماله .

ج – الجبن المنعقد بفعل إنفحة ميتة الحيوان المأكول اللحم : طاهر ويجوز تناوله .

د – المراهم والكريمات ومواد التجميل التي يدخل في تركيبتها شحم الخنزير : نجسه ، ولا يجوز استعمالها إلا إذا تحققت فيها استحالة الشحم وانقلاب عينه .

 

الإبــــــــــل

قال تعالى : { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت [17] وإلى السماء كيف رُفعت [18] وإلى الجبال كيف نُصبت [19] وإلى الأرض كيف سُطحت [20] فذكّر إنما أنت مُذكّر [21] لست عليهم بمسيطر[22] } ( سورة الغاشية ) .

في هذه الآيات الكريمة يخص الله سبحانه وتعالى " الإبل " من بين مخلوقاته الحية ، ويجعل النظر إلى كيفية خلقها أسبق من التأمل في كيفية رفع السموات ونصب الجبال وتسطيح الأرض ، ويدعو إلى أن يكون النظر والتأمل في هذه المخلوقات مدخلاً إلى الإيمان الخالص بقدرة الخالق وبديع صنعه .

حـلـيـب الإبـل :

أما لبن الإبل فهو أعجوبة من الأعاجيب التي خصها الله سبحانه للإبل حيث تحلب الناقة لمدة عام كامل في المتوسط بمعدل مرتين يومياً ، ويبلغ متوسط الإنتاج اليومي لها من 5–10 كجم من اللبن ، بينما يبلغ متوسط الإنتاج السنوي لها حوالي 230-260 كجم .. ويختلف تركيب لبن الناقة بحسب سلالة الإبل التي تنتمي إليها كما يختلف من ناقة لأخرى ، وكذلك تبعاً لنوعية الأعلاف التي تتناولها الناقة والنباتات الرعوية التي تقتاتها والمياه التي تشربها وكمياتها ، ووفقاً لفصول السنة التي تربى بها ودرجة حرارة الجو أو البيئة التي تعيش فيها والعمر الذي وصلت إليه هذه الناقة وفترة الإدرار وعدد المواليد والقدرات الوراثية التي يمتلكها الحيوان ذاته ، وطرائق التحليل المستخدمة في ذلك .

وعلى الرغم من أن معرفة العناصر التي يتكون منها لبن الناقة على جانب كبير من الأهمية ، سواء لصغر الناقة أو للإنسان الذي يتناول هذا اللبن ، فإنها من جانب آخر تشير وتدل دلالة واضحة على أهمية مثل هذا اللبن في تغذية الإنسان وصغار الإبل وبشكل عام يكون لبن الناقة أبيض مائلاً للحمرة ، وهو عادة حلو المذاق لاذع ، إلا أنه يكون في بعض الأحيان مالحاً ، كما يكون مذاقه في بعض الأوقات مثل مذاق المياه . وترجع التغيرات في مذاق اللبن إلى نوع الأعلاف والنبات التي تأكلها الناقة والمياه التي تشربها . كذلك ترتفع قيمة الأس الهيدروجيني ( PH وهو مقياس الحموضة ) في لبن الناقة بين 84% و90% ، ولهذا أهمية كبيرة في الحفاظ على حياة صغرى الإبل والسكان الذين يقطنون المناطق القاحلة ( مناطق الجفاف ) . وقد تبين أن الناقة الحلوب تفقد أثناء فترة الإدرار ماءها في اللبن الذي يُحلب في أوقات الجفاف ، وهذا الأمر يمكن أن يكون تكيفاً طبيعياً ، وذلك لكي توفر هذه النوق وتمد صغارها والناس الذين يشربون من حليبها – في الأوقات التي لا تجد فيها المياه – ليس فقط بالمواد الغذائية ، ولكن أيضاً بالوسائل الضرورية لمعيشتهم وبقائها على قيد الحياة ، وهذا لطف وتدبير من الله سبحانه وتعالى .. وكذلك فإنه مع زيادة محتوى الماء في اللبن الذي تنتجه الناقة العطشى ينخفض محتوى الدهون من 3،4% إلى 1،1% ، وعموماً يتراوح متوسط النسبة المئوية للدهون في لبن الناقة بين 6،2 إلى 5،5% ، ويرتبط دهن اللبن بالبروتين الموجود فيه .. وبمقارنة دهون لبن الناقة مع دهون ألبان الأبقار والجاموس والغنم لوحظ أنها تحتوي على حموض دهنية قليلة ، كما أنها تحتوي على حموض دهنية قصيرة التسلسل ويرى الباحثون أن قيمة لبن الناقة تكمن في التراكيز العالية للحموضة الطيارة التي تعتبر من أهم العوامل المغذية للإنسان ، وخصوصاً الأشخاص المصابين بأمراض القلب .

ومن عجائب لبن الإبل أن محتوى اللاكتوز ( سكر اللبن ) في لبن الناقة يظل دون تغيير منذ الشهر الأول لفترة الإدرار وحتى في كل من الناقة العطشى والنوق المرتوية من الماء . وهذا لطف من العلي القدير ، فيه رحمة وحفظ للإنسان والحيوان ، إذ إن اللاكتوز سكر هام يستخدم كملين وكمدر للبول ، وهو من السكاكر الضرورية التي تدخل في تركيب أغذية الرضع .

لحوم الإبل تقي من أمراض السرطان :

أرجعت دراسة علمية إماراتية تمتع فيها المواطنين الخليجيين الأكبر سناً بصحة جيدة قياساً بالشباب إلى تناولهم لحوم الإبل بكثرة . إذ ثبت أن تلك اللحوم تقي من السكتة القلبية والسرطان ومحاربة الالتهابات خاصة لكبار السن ، كما يعد لحم الإبل ضرورياً لضمان صحة العضلات ومنع ترهلها ، فضلاً عن أنها لا تحتوي على كميات كبيرة من الدهن المشبع بالكولسترول ، مقارنة مع باقي أنواع اللحوم الأخرى وهو يتساوى في ذلك مع لحم النعام .

وأوضحت الدراسة التي نشرتها مجلة " الاصايل " التي تصر عن اتحاد سباقات الهدن في الإمارات أن لحوم الإبل غنية بالجليكوجين الذي يتحول إلى جلوكوز يستفيد منه الجهاز العصبي لنصع الطاقة الخلوية وبالتالي لضمان عمل الخلية العصبية ، وهذا هو السر في أنها تؤمن لكبار السن الطاقة اللازمة والبورتين الكافي لبناء العضلات ، في وقت تتكون عمليات الهدم تفوقت فيه على عمليات البناء ، كما أن الكمية القليلة من الدهن التي تحتويها لحوم افبل تناسب كبار السن إذ أنها إلى جانب أنها لا تترسب في الأوعية الدموية والشرايين القلبية تحتوي على الحمض الدهني غير المشبع الذي يلعب دوراً مضاداً للسرطان .

وأكدت الدراسة أن نسبة الدهن في لحوم الإبل لا تزيد في المتوسط عن 2% ، بما يعني أنها أقل من نسبته الموجودة في لحم الدجاج والنعام والغزلان ، وبالتالي فإن تناوله من قبل من يرغب في بناء عضلاته كمادة بروتينية حيوانية لن يؤدي لترسب الدهن لديه داخل الجسم ، ولن يؤدي للسمنة بل بالعكس سيؤدي إلى إعطاء الجسم نضارة من خلال توجه المواد البورتينية التي يحتويها لبناء العضلات ومن خلال عدم ترسب محتوياته من المواد الغذائية في الجسم بسبب استقلابها جميعها .

وذكرت الدراسة أن تناول لحوم أقل ولو بكمية بسيطة وفي فترات متباعدة يعطي الإنسان فائدة صحية نظراً لتركيبة هذه اللحوم الغذائية وغنائها بالبروتينات التي يحتاجها جسم الإنسان ولا يستطيع تركيبها .. فبناء الليف العضلي تلزمه مجموعات من الأحماض الامينية كالايسين واللمثيونين والتريبتوفان وغيرها من الأحماض التي تحتاجها العضلة لبناء نفسها خصوصاً إذا رافق عملية البناء بذل جهد مثل التدريب على حمل أثقال أو بذل مجهود عضلي .

أبوال الإبل علاج لكثير من الأمراض :

فائدة عظيمة يغفل عنها كثير من الناس أو كثير من المرضى اليائسين من أمراضهم ، وهو التداوي بألبان وأبوال الإبل .. فقد ثبتت عندنا هذه المعلومة وشفى الله كثير من المرضى ببول الإبل ، وهي معلومة قديمة يتداولها أجدادنا وآبائنا والأهم أنها شافيه بإذن الله من أمراض كثيرة وأهمها الخبيث وهو السرطان .. وهاكم هذه القصة والذي أعرف صاحبها واسمه معجب العجمي ، وقد أصيب بسرطان الدم وقال له الأطباء أيامك معدودة حسب مقدرتنا لتشخيص المرض ، ونحل جسمه واشتد به المرض حتى لم يعد يقوى على المشي ولا الوقوف ولا حتى الجلوس ، فذكروا له أحد الأشخاص من البادية يرعى الإبل ، فذهب عنده وجلس ثلاثة أشهر على ما أظن يشرب من أبوال الإبل ولبنها ، وقد كان يرعاه هذه البدوي حتى عافاه الله ، فرجع إلى الأطباء بوجه غير الوجه الذي فارقهم به وجسم غير الجسم فتعجبوا من حاله فسبحان الشافي .

وقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أكثر من 1400 سنة عن هذا العلاج النبوي الكريم ، ففي مسند أحمد : حدثنا إسماعيل ، حدثنا الحجاج بن أبي عثمان ، حدثني أبو رجاء مولي أبي قلابة قال : أنا أحدثكم حديث أنس بن مالك إياي حدثني أنس بن مالك أن نفراً من عكل ثمانية قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه على الإسلام فاستوخموا الأرض فسقمت أجسامهم ، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبون من أبوالها وألبانها ، قالوا : بلى ، فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا فقتلوا الراعي وأطردوا النعم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأرسل في آثارهم فأدركوا فجئ بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمرت أعينهم ، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا .. وفي البخاري :

حدثنا علي بن عبدالله حدثنا محمد بن عبدالله الأنصاري حدثنا ابن عون قال حدثني سلمان أبو رجاء مولى أبي قلابة عن أبي قلابة أنه كان جالساً خلف عمر بن عبد العزيز ، فذكروا وذكروا فقالوا وقالوا قد أقادت بها الخلفاء فالتفت إلى أبي قلابة وهو خلف ظهره فقال : ما تقول يا عبدالله بن زيد أو قال ما تقول يا أبا قلابة قلت ما علمت نفساً حل قلتها في الإسلام إلا رجل زنى بعد إحصان أو قتل نفساً بغير نفس أو حارب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فقال عنبسة : : حدثنا أنس بكذا وكذا ، قلت : إياي حدث أنس قال : قدم قوم على النبي صلى الله عليه وسلم فكلموه فقالوا : قد استوخمنا هذه الأرض فقال : هذه نعم لنا تخرج فأخرجوا فيها فأشربوا من ألبانها وأبوالها ، فخرجوا فيها فشربوا من أبوالها وألبانها واستصحوا ومالوا على الراعي فقتلوه وطردوا النعم فما يستبطأ من هؤلاء قتلوا النفس وحاربوا الله ورسوله وخوفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : سبحان الله ، فقلت تتهمني .. قال حدثنا بهذا أنس قال وقال يا أهل كذا إنكم لن تزالوا بخير ما أبقي هذا فيكم أو مثل هذا .

وفي سنن أبي داوود :

حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس بن مالك : أن قوماً من عكل أو قال من عرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاجتووا المدينة فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا ، فلما صحوا قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستاقوا النعم ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم من أول النهار ، فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام في آثارهم ، فما ارتفع النهار حتى جيء بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون .. الخ

تجربة علمية باستخدام ( بول الإبل ) لعلاج أمراض الاستقساء وأورام الكبد :

كشف عميد كلية المختبرات الطبية بجامعة الجزيرة السودانية البروفيسور أحمد عبدالله احمداني عن تجربة علمية باستخدام ( بول الإبل ) لعلاج أمراض الاستسقاء وأورام الكبد ، أثبتت نجاحها لعلاج المرضى المصابين بتلك الأمراض .. وأضاف البروفيسور احمداني في ندوة نظمتها جامعة الجزيرة أن التجربة بدأت بإعطاء كل مريض يومياً جرعة محسوبة من ( بول الإبل ) مخلوطاً بلبنها حتى يكون مستساغاً ، وبعد 15 يوماً من بداية التجربة كانت النتيجة مدهشة للغاية ، حيث انخفضت بطون جميع أفراد العينة وعادت لوضعها الطبيعي وشفوا تماماً من الاستسقاء .. وذكر احمداني أن تشخيصاً لأكباد المرضى قبل بداية الدراسة قد جرى بالموجات الصوتية ، وتم اكتشاف أن كبد 15 مريضاً من 25 تحتوي ( شمعاً ) وبعضهم كان مصاباً بتليف الكبد بسبب مرض البلهارسيا . واستطرد البروفيسور احمداني قائلاً : إن جميع المرضى استجابوا للعلاج باستخدام ( بول الإبل ) وبعض أفراد العينة من المرضى استمروا برغبتهم في شرب جرعات بول الإبل يومياً لمدة شهرين آخرين ، وبعد نهاية تلك الفترة اثبت التشخيص شفاءهم جميعاً من تليف الكبد.. وتحدث البورفيسور احمداني في محاضرته عن تجربة علاجية رائدة أخرى لمعرفة أثر لبن الإبل على معدل السكر في الدم استغرقت سنة كاملة ، وأثمرت الدراسة فيما بعد عن انخفاض نسبة السكر في المرضى بدرجة ملحوظة . وأشار إلى أنهم اختاروا في هذه التجربة عدداً من المتبرعين المصابين بمرض السكر لإجراء التجربة العلمية ، حيث قسّم المتبرعين لفئتين ، قدم فيها للفئة الأولى جرعة من لبن الإبل بمعدل نصف لتر يومياً فيما حجبت عن الفئة الثانية .. وشرح البروفيسور احمداني في ختام محاضرته حول الأعشاب الطبية والطب الشعبي الخاص العلاجية لبول ولبن الإبل وقال : أن بول الإبل يحتوي على كمية كبيرة من البوتاسيوم ويحتوي أيضاً على زلال ومغنسيوم ، إذ أن الإبل لا تشرب في فصل الصيف سوى أربعة مرات فقط ومرة واحدة في الشتاء ، وهذا يجعلها تحتفظ بالماء في جسمها لاحتفاظه بمادة الصوديوم ، حيث أن الصوديوم يجعلها لا تدر البول كثيراً لانه يرجع الماء إلى الجسم . وأوضح البورفيسور احمداني أن مرض الاستسقاء ينتج عن نقص في الزلال أو في البوتاسيوم وبول الإبل غني بالاثنين معاً .

وأشار احمداني إلى استخدام بعض الشركات العالمية لبول الإبل في صناعة أنواع ممتازة من شامبو الشعر وإن أفضل أنواع الإبل التي يمكن استخدام بولها في العلاج هي الإبل البكرية .

وقد استخدمت أبوال الإبل وخاصة بول الناقة البكر كمادة مطهرة لغسل الجروح والقروح ولنمو الشعر وتقويته وتكاثره ومنع تساقطه ، وكذا لمعالجة مرض القرع والقشرة ، ويقال أن في دماء الإبل القدرة على شفاء الإنسان من بعض الأمراض الخبيثة .

وقد وفق الله تعالى بعض أساتذة جامعة دمشق  فأستفادوا من هذا الطب النبوي في علاج طفل صغير أصيب باستسقاء في رأسه ، وتضخم رأس الولد جداً وأعيا الأطباء في علاجه ، فتذكر الوالد العالِم المؤمن قصة العرنيين ، فصار يذهب إلى مناطق نائية يأتي منها بلبن النوق ، وكانت النتيجة جيدة بل مدهشة منذ أول قطرة رضعها الطفل .. علماً بأن تعليل نفع لبن الناقة وبولها للاستسقاء واضح وميسر علمياً ، لأن لبن الناقة يحتوي على كمية كبيرة من الكالسيوم مركزة كما ذكر الدكتور محمود الجزيري ، يضاف لذلك ما ذكره الأنطاكي في تذكرته وهي مرجع هام في الطب العربي ، فقد ذكر أن الإبل ترعى النباتات الصحراوية كالشيخ والقيصوم وفيها مواد نافعة لفتح السدد ، وهذا التوسيع أو الفتح للأوعية يساعد على تصريف السوائل المتجمعة في حالة الاستسقاء .

المصدر : " الأربعون العلمية " عبد الحميد محمود طهماز – دار القلم
 

يستخدم أهل البادية بول الإبل في حياتهم اليومية كعلاج

    لبعض الأمراض الشائعة لديهم منها ما يلي :