" القمرة " أكثر ما توهم الناس بالقدرات الخارقة للدجالين
الخوف .. الغموض .. فقدان السيطرة يدفع بالموهومين للسحرة


استكمالاً لما نشر في حلقة الأمس من " المسكوت عنه " عن موضوع السحر وعوالمه الخفية .. في هذه الحلقة نتطرق إلى عدة مواضيع هامة لتبصير الناس وإيضاح الحقيقة لهم وتنويرهم لما يحاك لهم أو ضدهم في هذا الجانب حتى لا يستغلهم الدجالون والمشعوذون أو من يتسترون خلف ستار الدين لممارسة الدجل والشعوذة ممن لا يخافون الله من السحرة والمشعوذين .
ونؤكد مرة أخرى .. إن هذه الحلقات من ملف " الدجل والشعوذة " هي حلقات نهدف من خلالها إلى تنوير الناس وتبصيرهم إلى خطر هذا الأمر الذي أصبح ظاهرة خطيرة في مجتمعنا وليس كما قد يعتقد البعض بأنه مجرد ترويج للعقلية الخرافية من الأخوة الذين ربما هم لا يعون تماماً ما هو حجم المشكلة .. لذا أتمنى منهم أن ينتظروا حتى يكتمل عرض جميع جوانب الظاهرة التي لن تخلو أبدأ من موضوعية تامة في البحث عن العلاج للكثير من خبايا هذا الموضوع الشائك .

البرنامج الذي أثار المجتمع السعودي

ويقول الشيخ عبدالله بن فهد الواكد – أحد المعالجين بالرقية الشرعية – لـ " عكاظ " عن السحر : إن السحر ليس له مدة معينة أو محددة إلا إذا كان الساحر قد حدده عن طريق النجوم أو الكواكب . فهناك توقيت معين يعتمد عليه السحرة ويهدفون من ورائه أمراً عشوائياً كما يعتقد البعض أو مجرد " شخابيط " كما في الأوراق ، ولكن في الحقيقة إنما هو علم ولكنه من العلوم التي مقتها الله وحذر منها والشاهد على ذلك قوله تعالى :  واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر  .
وهذا يؤكد أنه علم ، ولا أخفيك .. فبعض أنواعه قد يصيب الناس بالجنون ، ومنه ما يؤدي إلى الوفاة ، والواجب على كل من يعالج الناس بالقرآن الكريم أن يكون ملماً بقدر بسيط من أساليب التوعية والعمل على تبصير الآخرين بخطورة السحر وما ينبغي عليهم القيام به داخل أسرهم . وأعتقد أن برنامج " دين ودنيا " الذي بثته القناة التلفزيونية السعودية قبل فترة قد أصاب المجتمع السعودي بردة فعل قوية وقاد الناس للبحث عن السحر داخل بيوتهم والعثور على كميات منه ، وأحسب أنه كان برنامجاً توعوياً ناجحاً مما قادني للتفكير في طرح برنامج عبر الكمبيوتر بعد حصولي على الإذن المسبق من قبل المسؤولين ليتم عرضه على طلبة المدارس والقرى والمحافظات .
ويتطرق البرنامج إلى الجانب العقائدي .. فبعض الناس يمارس السحر وكأنه يقوم بممارسة هواية عادية ولا يعلم بأنه يرتكب إثماً كبيراً وكفراً بالله تعالى ، وفي ذلك آيات وأحاديث كثيرة إذ يقول المولى عز وجل :  ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق  ، ويقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : { من أتى كاهناً أو عرافاً فسأله فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد } . فالبعض لا يدرك خطورته ولا يعلم أنه يقودهم إلى نار جهنم ، بل يعتقدون أنه مجرد معصية ، ولو قارن الساحر بين مآله في الآخرة وما يجنيه من وراء عمله لترك السحر . وهذا من صميم العمل التوعوي الواجب القيام به ، هذا فضلاً عن تبصير الناس وتحذيرهم من بعض الطلاسم التي يجدونها في بيوتهم . فهم في حقيقة الأمر لا يعرفون كنهها ويحسبون أنها أوراق عادية ، بينما هي في أصلها سحر وعمل خطير وهناك أمور كثيرة لابد من توعية الناس وتبصيرهم بها حتى لا يقعوا فريسة سهلة للدجالين والمشعوذين ومن يريد بهم الشر .

أنــــواع الـســحــر

جاء في الموسوعة العربية العالمية إن علماء علم الإنسان ( الانثروبولوجيا ) يصنفون السحر وفقاً لقاعدته الأساسية إلى قسمين :
1 - سحر المعالجة المثلية .
2 - السحر المعدي .
وقد أوضح عالم علم الإنسان الاسكتلندي السير جيمس جورج فريزر أول مرة هذين النوعين من السحر في كتابه الشهير الغصن الذهبي ( 1890م ) ويقسم بعض الناس السحر إلى سحر أسود ( ضار ) وسحر أبيض ( غير ضار ) .
سحر المعالجة المثلية : يعتمد على زعم إن الشبيه يؤدي إلى شبيه مثله .. وهذا النوع من السحر يسمى أيضاً ( سحر التقليد ) القائم على المحاكاة ، حيث يقوم الساحر بحركات أو محاكاة ما يريدون حدوثه ، وغالباً ما يستخدمون نموذجاً أو صورة مصغرة لأي شيء يريدون التأثير عليه على سبيل المثال : ربما يقوم صياد السمك بعمل أنموذج للسمكة ويتظاهر بصيدها بالشبكة ، إذ يعتقد إن هذه الطقوس ستؤمن له صيداً جيداً وفي بعض الرقصات الشعبية الأوروبية يقفز الراقصون عالياً في الهواء ليجعلوا محاصيلهم تنمو بسرعة وأعتقد الناس ذات مرة إن الأزهار الصفراء تعالج مرض اليرقان ( تغير لون الجسم إلى الاصفرار ) ويتفادى الناس أشياء معينة غير ضارة لأنها تماثل الكثير من الأشياء المؤذية على سبيل المثال ربما يقوم الأبوان في الإسكيمو بتحذير أبناءهما من القيام بلعبة الخيط التي يشد فيها الأطفال خيطاً على أصابعهم بحيث تشبه سريراً صغيراً ، وذلك لأن هذه اللعبة ربما تجعل أصابع الأطفال تتشابك في خطوط الحربون ( رمح صيد الحيتان ) التي سيستخدمونها عندما يكبرون.
السحر المعدي : يأتي من اعتقاد البعض أنه بعد احتكاك الشخص بأشياء معينة فإنها تواصل تأثيرها على ذلك الشخص . ومن أمثلة السحر المعدي نذكر أجزاء الجسم التي تمت إزالتها ، مثل أظافر الشخص أو الشعر والأسنان ، ويفترض أن تؤثر أظافر الشخص وشعره على أجزاء الجسم بعد أن يتم قصها ، ويمكن للشخص أن يؤذي العدو بقص خصلة من شعره أو قطعة قماش من الضحية ويمكن للساحر أن يشل العدو بوضع شيء حاد على أثر قدم ذلك الشخص .
والناس الذين يصدقون بالسحر المعدي يخافون من أن يحظى العدو بقوة تتفوق عليهم بالحصول على أجزاء من أجسادهم لذلك فإنهم يحرصون على إخفاء ما أزالوه من أظافرهم وشعرهم وأسنانهم وحتى فضلات أجسامهم وأحياناً يمارس السحرة والمشعوذون سحر المعالجة المثلية بأن يقوم الساحر بصنع دمية أو ما يشابه عدوه أو الضحية ويقوم بإيذائه بغرز دبوس في الدمية أو يؤذيه بأي أسلوب آخر ، وتحتوي الدمية في بعض المجتمعات على خصلة شعر أو خرقة قماش من الضحية ، وهذا النوع من السحر جمع بين سحر المعالجة المثلية والسحر المعدي .

السحر الحقيقي والتخيلي

أما فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء فيقول : السحر نوعان :
النوع الأول :- نوع حقيقي ، يعمله الساحر أما بكلام أو بكتابة حروف مقطعة وطلاسم أو بنفث ينفثه في عقد من خيوط ويدعو الشياطين ويستعين بهم ويستغيث بهم ، هذا اصطلاح بين الساحر وبين الشياطين يعمل هذا العمل ، فينتج عن هذا العمل الخبيث الأضرار بالناس الذين يعملون لهم هذا السحر ، إما بقتل وإما بمرض وإما بتخبيل عقل أو بتفريق بين المتحابين ، يفرقون بين المرء وزوجه ويضرون ، ولهذا يقول جل وعلا  وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله  ، فدل على أن السحر له حقيقة وأنه قد يفرق بين المرء وزوجه ، وأنه يضر لكن لا يضرونه إلا بقدر الله وقضائه سبحانه وتعالى لأن الأمر لله ، والله قدر كل شيء فلا يجري شيء إلا شيء قدره بإذنه ، والمراد بإذنه يعني بقضائه وقدره سبحانه وتعالى يقدر هذا عقوبة أو امتحانا لبعض الناس .
النوع الثاني :- نوع تخييلي لا حقيقة له وإنما هو تخييل وشعوذة يكون بعمل الساحر يعمل أشياء وحيلاً شيطانية حتى يظهر للناس أشياء يظنونها حقيقية وليست حقيقة وإنما هي تخييل ، وهو ما يسمى عند العوام بـ " القمرة " ، والقمرة على الشعوذة على العيون حتى ترى شيئاً يخيل لها أنه حقيقة وهو ليس بحقيقة حتى إذا زالت القمرة وزالت الشعوذة والحيلة عادت الأشياء إلى ما كانت عليه فيعمل المشعوذ والمقمر على عيون الناس ، يعمل سحراً تخيلياً يحول الأشياء من الظاهر على غير حقيقتها ، فيظهر للناس أنه يقتل الشخص ويقطع رأسه ثم يظهر للناس أنه يدخل في النار ويضع رجله في النار أو يمشي في النار وهو ليس كذلك ، لم يمش في النار ولا يقرب النار ولكن خيل إلى الناس هذا الشيء ، ويظهر للناس أنه يضع نفسه تحت السيارة وتمر عليه السيارة أو تطأ عليه وهي محملة بالأطنان ولا تضره وهو ليس كذلك إنما يخيل إلى الناس وهو بعيد عن السيارة لم يقع تحتها أبداً لكن خيل إلى الناس هذا الشيء أو يخيل إلى الناس انه يطعن نفسه بالمسامير والسكاكين أو يفقأ عينه بالأسياخ وهو كذاب دجال لم يفقأ عينه ، ولو جئت أنت بسيخ أو بدبوس أو أبره وقلت له : سأفقأ عينيك فإنه لا يمكّنك ولا يطيعك ، لكن هو يعمل شيئاً الناس لا يعرفون حقيقته ، فيظهر للناس أنه يفقأ عينه بالحديد ولا تضره ، وهذا كذب وتدجيل وتخييل وقد يضع قمرة على حشرات فتصبح كأنها أغنام أو خراف ، ويضع قمرة على مدق عادي فيظهر كأنه نقود ، وهذا ما يعمله الدجالون الذين يسرقون أموال الناس ، ويتحيلون عليهم فإذا ذهبت الحيلة وانجلت الحقيقة ظهرت الأشياء على حقائقها هذا ما يسمى بالسحر التخييلي ويسمى بالقمرة .
وقد ذكر الله ذلك عن سحرة فرعون الذين جاءوا ليقابلوا موسى عليه الصلاة والسلام أنهم جاءوا بحيل وشعوذة وتدجيل قال الله سبحانه وتعالى :  فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم  ، وقال في الآية الأخرى  قالوا يا موسى أما أن تلقي وأما أن نكون أول من ألقى ، قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم إنها تسعى ، فأوجس في نفسه خيفة موسى ، قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى ، وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى  .. ولما ألقى موسى عليه الصلاة والسلام عصاه بطل سحرهم وانكشف أنه تخييل وتدجيل وشعوذة ، وهكذا دائماً الباطل لا يقوم في مقابلة الحق ،  بل نقذف بالحق على الباطل فيدفعه فإذا هو زاهق  فالحاصل إن هذا النوع الثاني هو من التخييل والتدجيل وهذا ما يستعمله المحتالون الذين يحتالون على الناس ويلعبون على الناس ويأخذون أموالهم باسم " السيرك " أو اسم الأعمال البهلوانية أو الألعاب البهلوانية أو غير ذلك هذا سحر تخييلي ، سحر باطل ليس هو من الرياض كما يقولون وإنما هو سحر سموه بهذه الأسماء تدجيلاً على الناس ، فهو من جنس سحر قوم فرعون فالسحر إذاً نوعان : سحر حقيقي وسحر تخييلي .

لماذا يتجه الناس للسحر

ويرى علماء الانثروبولوجيا إن بعض الناس يتجهون إلى السحر بصورة رئيسية بوصفه شكلاً من أشكال الأمان ، وعليه فإنهم يستخدمونهم بمصاحبة الأفعال والحركات التي تؤدي إلى نتائج .
إن أدنى درجات الإيمان والعقل لابد أن تفضي بنا إلى أن كل الظواهر من صنع الله سبحانه وتعالى ولا حدث عن طريق السحر فالمحاصيل تنمو من غير السحر والمرضى يشفون بدونه ، ولكن إذا بحث الناس عن مساعدة السحر للحصول على حصاد جيد أو علاج مريض فإنهم سيعتقدون إن السحر يقف وراء ذلك .
ويميل الناس أيضا إلى نسيان خفاقات السحر والسحرة مع سرمدهم بنجاحاته الظاهرة وربما يعتبرون السحر موفقاً إذا أدى مفعوله بنسبة " 10% " من الوقت وحتى إذا اخفق السحر فإن الناس غالباً ما يعللون هذا الفشل دون الشك في قوة السحر وقدرته ، وربما يقولون: إن الساحر قد ارتكب خطأ في تلاوة التعويذة أو إن ساحراً آخر قد طرح تعويذة أكثر قدرة وقوة ضد هذا الساحر . ويعتقد العديد من علماء الانثروبولوجيا إن بعض الناس يصدقون السحر نظراً لأنهم يشعرون بالحاجة إلى الاعتقاد فيه والإيمان به .
وربما يتجه بعض الناس إلى السحر لتقليل الخوف والشك والغموض الذي يكتنفهم إذا شعروا بفقدان التحكم والسيطرة على ما ستؤول إليه الأوضاع نقصاً في الثقة بالله والإيمان بالقضاء والقدر .


عكاظ – العدد 13287
د. محمد الحربي – جدة


41 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع