يخبرون زبائنهم بأسمائهم وربما ماضيهم ولكن ..!
السحرة والجن يعجزون عن معرفة المستقبل



نستمر في هذه الحلقة من " المسكوت عنه " في بحث موضوع الجن .. ونركز الضوء على نقطة هامة في هذا الجانب وهي : هل صحيح ما يدعيه بعض الدجالين والمشعوذين من قدرتهم على تسخير الجان ؟ وهل يقدر الإنسان فعلاً أن يستخدم الجن لتحقيق أغراضه الدنيوية ؟ ونتطرق إلى مقدرة الجن على إيذاء الإنسان وما هي الأعمال التي يقومون بها وما هي القرابين التي يقدمها الدجالون والمشعوذون للجان لخدمتهم في تحقيق أغراضهم الدنيئة .. ونكشف حقيقة معرفة الدجالين والمشعوذين والسحرة لأسماء الأشخاص الذين يزورونهم للاستعانة بهم دون أن يسألوهم عنها .
حقائق مثيرة .. وقصص غريبة .. وزعماء يستعينون بالسحرة لتسيير أمور الحكم في بلدانهم .. وحقيقة علم الجن للغيب .. كل هذه المعطيات تطالعونها في ثنايا التحقيق التالي :

هل يمكن تسخير الجن ؟

لا يمكن للجان أن يقوم بمساعدة أي إنسان ولا يخضع له إلا إذا كان كل منهما على عقيدة واحدة ودين واحد . فإذا كان الجني كافراً فإنه - لابد – أن يكون الساحر كافراً مثله تماماً ، وكذا الحال لو كان الجني يهودياً أو نصرانياً .
قال شيخ الإسلام ابن تيميه في مجموع الفتاوى : يقسم المعزم على الجن بأسمائهم وأسماء ملوكهم ، فإنه يقسم عليهم بأسماء من يعظمونه ، فيحصل لهم بذلك من الرياسة والشرف على الإنس ما يحملهم على أن يعطوهم بعض سؤالهم ، لا سيما وهم يعلمون إن الإنس أشرف منهم وأعظم قدراً ، فإذا خضعت الإنس لهم واستعاذت بهم كان بمنزلة أكابر الناس إذا خضع لأصاغرهم ليقضي له حاجته .
ثم إن الشياطين منهم من يختار الكفر والشرك ومعاصي الرب ، وإبليس وجنوده من الشياطين يستهون الشر ويلتذون به ويطلبونه ، ويحرصن عليه بمقتضى خبث أنفسهم. وإن كان موجباً لعذابهم وعذاب من يغوونه ، كما قال إبليس :  فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين [ ، وقال تعالى : قال أرأيتك هذا الذي كرمت عليّ لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلاً [ ، وقال تعالى :  ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين [ .
والإنسان إذا فسدت نفسه يشتهي ما يضره ويلتذ به ، بل يعشق ذلك عشقاً يفسد عقله ودينه وخلقه وبدنه وماله ، والشيطان هو نفسه خبيث فإذا تقرب صاحب العزائم والأقسام وكتب الروحانيات السحرية وأمثال ذلك إليهم بما يحبونه من الكفر والشرك صار ذلك كالرشوة والبرطيل لهم ، فيقضون بعض أغراضه ، كمن يعطي غيره مالاً ليقتل له من يريد قتله ، أو يعينه على فاحشة أو ينال معه فاحشة .
ولهذا كثير من هذه الأمور يكتبون فيها كلام الله بالنجاسة ، قد يكتبون حروف كلام الله عز وجل ، إما حروف الفاتحة ، وإما حروف ( قل هو الله أحد ) وإما غيرهما – بنجاسة إما دم وإما غيره ، وإما بغير نجاسة ، أو يكتبون غير ذلك مما يرضاه الشيطان ، أو يتكلمون بذلك ، فإذا قالوا أو كتبوا ما ترضاه الشياطين أعانتهم على بعض أغراضهم ، إما تغوير ماء من المياه ، وإما أن يحمل في الهواء إلى بعض الأمكنة ، وإما أن يأتيه بمال من أموال بعض الناس ، كما تسرقه الشياطين من أموال الخائنين ومن لم يذكر اسم الله عليه وتأتي به ، وإما غير ذلك .
والذين يستخدمون الجن بهذه الأمور ( أي العزائم والطلاسم والكفر ) يزعم كثير منهم أن سليمان عليه السلام كان يستخدم الجن بها ، فإنه قد ذكر غير واحد من علماء السلف أن سليمان لما مات كتبت الشياطين كتب سحر وكفر ، وجعلتها تحت كرسيه ، وقالوا : كان سليمان يستخدم الجن بهذه ، فطعن طائفة من أهل الكتاب في سليمان بهذا . وآخرون قالوا : لولا أن هذا جائز لما فعله سليمان ، فضل الفريقان هؤلاء بقدحهم في سليمان ، وهؤلاء باتباعهم السحر .

تحكم الأدنى في الأعلى

قال الشيخ محمد متولي الشعراوي – رحمه الله – في الفتاوى : يستطيع الله سبحانه وتعالى بطلاقة قدرته أن يجعل من الجنس الأدنى من يسخر الجنس الأعلى ويتفوق عليه ، وهذه ليست كيف عنصر ، إنما إرادة معنصر ، فيريد الله أن يأتي أناس دون الجن في قانونهم ويعطيهم الأسباب فيسخّروا الجن . والنوع الذي سيسخّره الإنسان لا يخلو من أحد نوعين :-
- جـنـي خـّيـر .
- جـنـي شـريـر .
والجني الخيّر مثل الإنسان الخيّر لا يستطيع أحد أن يسخّره . إذاً لا يخضع للتسخير إلا الجني الشرير ، وهذا يتعب من سخّره ، يقول الحق تبارك وتعالى :  وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً  . إن كل ما نراه من الخوارق هو من أعمال الأرواح الشريرة الهائمة في الكون ، وهذه لها طلاسم وأسماء وأسرار يستطيع الإنسان بها أن يسخّر غيره ، فيعمل الأعمال التي لا يستطيع أن يعملها الإنسان ، ولا الجن العادي يستطيع أن يعملها ، وكل من ينهجون هذا النهج مصابون في أشياء كثيرة ومتعبون في أشياء كثيرة . وتسخير الجن حقيقة واقعة ، والحق تبارك وتعالى يعطي بعض الخصائص للجنس الأدنى فيجعله يسخّر ويتحكم في الجنس الأعلى .

فرية الطرف المشروعة

وعن حقيقة وجود طرق مشروعة لتسخير الجن يؤكد الباحث الإسلامي الأستاذ مجدي محمد الشهاوي : السحرة والدجالون لا يملكون طرقاً مشروعة لتسخير الجن لأن معظمهم – إن لم يكن كلهم بلا استثناء – يستخدم الجن بما يلي : -
- قراءة العزائم والطلاسم المجهولة التي بغير اللغة العربية وهي كفر وشرك وضلال ، وفيها تعظيم للشياطين وتذلل وعبادة لهم ، وفيها تطاول على الخالق سبحانه وتعالى ، وعلى النبي صلى الله عليه وسلم .
- يكتبون آيات القرآن الكريم بالنجاسات كالدم والبول وغيرهما .
- يخلطون آيات القرآن بكلام غير مفهوم وفيه من الشرك ما لا يخفى .
- يقلبون حروف القرآن ، أو يكتبونه مقلوباً ، ويهينونه ويقرأونه في الأماكن النجسة كالحمامات وغيرها .
- يرتكبون الزنا والمحرمات ، ويتركون العبادات .
وقد اطلعت على بعض كتبهم ، ووجدت عندهم دعوات يدعون بها الكواكب السبعة السيارة ، لكل كوكب منها دعوة معينة ، ومداد مناسب ، وأبخرة مخصوصة محددة ، ويرتدي الساحر لباساً معيناً ذا لون خاص لكل كوكب ، ويقرأ دعوات في وقت محدد ، ويسمون ذلك روحانية الكواكب ، وإنما هي شياطين تتنزل عليهم عندما يدعون بتلك الدعوات ، قال تعالى :  هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ، تنزل على كل أفاك أثيم [ ، وفي تلك الدعوات إخلال بنواميس الشرع ، لا يملكها أو يدعو بها إلا كل كافر مشرك عنيد ، نعوذ بالله من الكفر وأهله.
ولا شك أنه لا يوجد بيننا الآن من يستخدم الجن بالقرآن فقط ، دون سواه من عزائم وطلاسم مجهولة المعنى ، والتي نبهنا على ما فيها من الضلال ، ومن زعم أنه يستخدم الجن بالقرآن فقط – دون سواه – فهو كاذب مدلس مخادع ، والله أعلم .
وأستطيع أن ألخص تسخير الجان للإنسان في سطر واحد هو : ( لابد من تسخير الإنسان لعبادة الجن والشيطان ، لكي تساعده الجان ، ونعوذ بالله منهم ) .

عــلــم الــغـيــب

وعن علم الجن للغيب يقول الأستاذ مجدي محمد الشهاوي : القرآن الكريم قطع هذه المسألة في قوله تعالى :  فلما قضينا عليه الموت مادلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منساته ، فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين  . فقد استمرت الجن تعمل لسليمان – عليه السلام – أشق الأعمال وأكثرها صعوبة ، حتى بعد أن مات ، وهو مرتكز على عصاه ، ولم تعلم الجن أنه مات ، إلا بعد أن تآكلت العصا التي يرتكز عليها ، وخّر – عليه السلام – هنا فقط علمت الجن أنه مات منذ مدة طويلة ، استمروا خلال تلك المدة يمارسون عملهم بلا هوادة :  ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير ، يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات  .

من يزعم تسخير الجان بالقرآن كاذب
الدجالون يكتبون آيات القرآن بالنجاسات

عــلـم الـغـيـب الـحـاضـر

وعن إخبار بعض الدجالين والمشعوذين للناس أخباراً غيبية ومدى حقيقة هذا الأمر قال الدكتور الحسيني أبو فرحة – عميد كلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر سابقاً : الجن لهم طاقات معينة ويمكن لمن لهم صلة بهم أن يسخّروهم فيها ، فمنهم من يستطيع معرفة بعض الأخبار والانتقال بسرعة رهيبة من مكان إلى آخر ، وهؤلاء يخالطوننا في مساكننا من حيث لا نراهم ، فيمكنهم من ناحية المخالطة وسرعة حركتهم الرهيبة أن يعرفوا " غيب الحاضر " ، كما أن الجان يعمرون طويلاً ولذلك فهم يعرفون الكثير عن " غيب الماضي " ولكنهم لا يعرفون عن " غيب المستقبل " شيئاً . وقال الشيخ محمد الغزالي " رحمه الله " : للجن قدرة أبعد مدى من قدرة البشر ، إنهم يغزون الفضاء بطاقاتهم العادية من زمان قديم ، ولكنهم لا يعلمون الغيب ، وما يكون غيباً أحياناً بالنسبة لنا ، قد يكون عياناً بالنسبة لهم ، والحدأة لا تعلم الغيب إذا كانت ترى من الجو ما لا نراه نحن تحت أقدامنا . فإذا استطاع شيطان أن يعرف بعض ما نجهل عن الأشخاص أو الأشياء وهي معرفة محدودة ، وقد تكون مغلوطة فليس هذا علماً بالغيب .

كـيـف يـعـرفـون الأسـمـاء

بعض الناس الذين يترددون على أوكار السحرة والمشعوذين يخبرهم هؤلاء عن أسمائهم وبعض أخبارهم وقد تكون في الغالب صحيحة .. حول هذا الأمر يقول الأستاذ محمد الشهاوي : الساحر له خادم من الجن أو قرين ، فيتبادل شيطان الساحر الحديث مع قرين " الزبون " ويعرف منه كافة الأخبار والأسرار عن الزبون ، ويوحي بها إلى الساحر ، فينطق الساحر بها ، قال سبحانه :  وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً  . وروى البخاري ومسلم عن عائشة – رضي الله عنها – قالت : قلت : يا رسول الله ، إن الكهان يحدثوننا بالشيء فنجده حقاً ، قال : { تلك كلمة الحق يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه ، ويزيد فيها مائة كذبة } . وأخرج ابن أبي داود عن معاوية بن أبي سفيان : أنه أمر كاتبه أن يكتب كتاباً في السر ، فبينما هو يكتب إذ وقع ذباب على حرف من الكتاب ، فضربه الكاتب بالقلم ، فقطع بعض قوائمه ، فخرج الكاتب فاستقبل الناس على باب القصر ، فقالوا : أكتب لأمير المؤمنين بكذا وكذا ؟ ، قال : وما أعلمكم ؟ قالوا : حبشي أقطع خرج علينا فأخبرنا ، فرجع الكاتب إلى معاوية فأخبره ، قال : هو – والذي نفسي بيده – الذباب الذي ضربت .

أحـوال المـشـعـوذيـن ودرجـاتـهـم

ولفضيلة الشيخ الدكتور صالح بن غانم السدلان – أستاذ الدراسات العليا في الفقه بجامعة الإمام محمد بن سعود – رأي حول الدجل والشعوذة يقول فيه : إن الشعوذة وما يتبعها من حركات تتنوع بحسب حال المباشرة لها ، فقد تكون مجرد بوابات لا تصل إلى درجة الخروج عن الإسلام كأن يكون صاحب الشعوذة يستعمل كلمات وطلاسم وألفاظاً مغلقة وليس وراء ذلك من شيء فلا شك أن هذا العمل طريق إلى الانتقال إلى ما هو أشر منه وأخطر .
_ الحال الثاني : أن يكون من وراء هذه الطلاسم والكلمات استحضار الأرواح والاستعانة بها فهذه درجة أشر وتصل إلى درجة التحريم وقد تنقله إلى الشرك بالله جل وعلا .
- الحال الثالث : أن يكون من وراء استعمال الألفاظ والطلاسم استحضار الأرواح وغير ذلك الاستعانة بها وهي لا تتجاوب معه ولا تقدم له الخدمات التي يريد إلا بعد أن يشرك بالله جل وعلا فيذبح الذبائح على أسماء الشياطين والمردة ونحو ذلك وهذا لا شك أنه كفر وشرك بالله جل وعلا .
- الحال الرابع : أن يصل المشعوذ إلى الاستعانة بهذه الأرواح الخبيثة وينتقل به الأمر إلى ادعاء الغيب والأخبار عما وراء الأمور الغيبية وغير ذلك فهذه مرحلة أيضاً أشد وأخطر ، حيث أن علم الغيب لا يطلع عليه إلا الله سبحانه وتعالى . وعلى أي حال فالسحر والشعوذة إذا وصل بصاحبه إلى درجة الاستعانة بالشياطين ومرة الجن والذبح لهم أو دعوتهم من دون الله جل وعلا وذكر أسمائهم وترك الألفاظ المشروعة واستعمال كلمات غير عربية أو غير مفهومة أو استعمال كلام لا معنى له ، أو استعمال أرقام وغير ذلك كل هذه من وسائل الشعوذة والتكهن وادعاء علم الغيب وهي أمور كلها محرمة شرعاً ، ففي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم : { من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يوماً } .
وفي الحديث الآخر : { من أتى كاهناً فسأله فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم } .
أما حكم هؤلاء إذا ثبت أنهم وصلوا إلى هذه الحال من الكفر والشرك بالله والاستعانة بالشياطين والذبح لهم وغير ذلك فإن حكمهم الشرعي هو قتلهم وإبادتهم والقضاء عليهم ، كما جاء في الحديث المرفوع ، وقيل موقوف : " حد الساحر ضربة بالسيف " . فليس للساحر إلا القضاء عليه وإذا ثبت أنه ساحر وثبت أنه يستعمل هذه الوسائل وأنه خرج عن دين الإسلام فهذا هو حكمه الشرعي الذي قرره أهل العلم قديماً وحديثاً . روي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، بل يعد ذلك مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله : { حد الساحر ضربة بالسيف } . ويضيف الشيخ السدلان : إن واجب الأمة تجاه هؤلاء السحرة يتمثل في عدة أمور : -
أولاً - عدم تصديق هؤلاء فلا يصدقون بما يقولون ولا يؤخذ عنهم شيء ولا يذهب أحد إليهم ولا يتعالج عندهم ولا يستشفى منهم ويحاربون ويشنع عليهم ويخبر عنهم ولي الأمر.
ثانيا - إن على كل مسلم ومسلمة إذا عرف عن أي مشعوذ سواء كانت شعوذته في البدايات أو كانت شعوذته وسحره وصل إلى درجة السحر والكهانة والقول على الله بغير علم وغير ذلك ، فإن الواجب على الجميع الإخبار عن هؤلاء والإخبار عنهم بدقة وعدم التساهل فإن التعاميم الصادرة بهذا الأمر تؤكد على ذلك وتطلب أن يخبروا عن كل من تسول له نفسه من هؤلاء المشعوذين والكهان رجالاً كانوا أو نساء وأنه لا يجوز أيضاً السكوت عنهم .

احـذروا هـذه الـكـتـب

إن من أهم الأسباب المؤدية إلى انتشار العقلية الخرافية أن أصحاب هذه الأفكار طالوا ميادين التعليم والثقافة والإعلام والتأليف والنشر .. وأن كثيراً ممن يتناولون هذه القضايا المتعلقة بالدجل والشعوذة والجان والأرواح يعتمدون على الاستشهاد بعدد من الروايات والقصص التي وردت في مجموعة من المؤلفات التي تكرس هذه المفاهيم . وتعد هذه الكتب أكثر خطورة مما يحدث من ممارسات لأن الناس ينظرون إليها على أنها مقدسة فهي كتب الأولين الذين خدموا الدين ومن العيب أن نشكك فيهم أو نعيب عليهم .. ومن هذه الكتب مثلاً كتاب " شمس المعارف الكبرى " و " لطائف المعارف " وهو في أربعة أجزاء تأليف القطب الإمام أحمد بن علي البني ، مطبوع على النسخة الهندية الأصلية ( 1901 ) وبنهاية المجلدات الأربعة الكتب الآتية , ولاحظوا أسماء الكتب جيداً : كتاب " ميزان العدل في مقاصد أحكام الرمل " وكتاب " فواتح الرغائب في خصوصيات أوقات الكواكب " وكتاب " زهر المروج في دلائل البروج " وكتاب " لطائف الإشارة في خصائص الكواكب " ، وواضح طبعاً أن هذا الكتاب هو العمدة في مثل هذه الموضوعات ، وأن الكتب الأخرى الصادرة حديثاً في نفس الخط تعتمد عليه اعتماداً كلياً ويتضمن هذا الكتاب تقديم وصفات ذات طابع سحري للمسموم ولإذهاب النسيان ولتكثير المال وإيذاء الخصوم صحياً وللمحبة وللهيبة والجاه ولكشف الأسرار وللاستسقاء للأمطار ولقضاء الحوائج والدخول على الحكام وللبركة وجلب الزبون على الدكان ولمن لا يعيش له ولد ولحفظ الزرع وللتكثير من صيد الصياد ولإخراج الحشرات من البيوت ولإزالة السقام والأورام ولسماع لغات الجن وللحفظ والفهم وفائدة لمن أراد أن يرى عاقبة أمره ولمصاحبة الجن وللدخول في الحرب وقهر العدو ولمن أراد علو الهمة ولمن ظلمه أحد من الجبارين ولإحضار الغائب من مكان بعيد في ساعة واحدة ولجبر الكسور ولنجاة السفينة من الغرق وللصداع ولشارب الخمر حتى يتوب الله عليه من شربها ، ولمن أضر به الغش ولنزف الدم وللاستدلال على الدفين وفي معرفة كم يلبث الحاكم في ولايته ، وفائدة يحملها الجبان فيصير شجاعاً .
والكتب الحديثة لا تفعل أكثر من ذلك .. تذكر نفس الأشياء لكن بأسلوب عصري وباختصار كبير .. بالإضافة لكثرة الاستشهادات بآيات من القرآن الكريم والرجوع الدائم إلى مرويات الأحاديث النبوية ، وبعض الأخبار المستقاة من بعض المصادر التراثية كي تقوى حجتهم . ومن الكتب الحديثة مثلاً : كتاب " السحر الأحمر – دعوات تسخير – استحضار – فوائد حجرية – وغير ذلك " لعبد الفتاح السيد الطوخي مدير عام معهد الفتوح الفلكي – صادر عام ( 1988 ) ويتضمن الكتاب وصفات سحرية للمحبة والتهييج ، وقسم السوط للسيد ( ميططرون ) , وقسم هارون الرشيد ، وللفزع من النوم ، وتهييج العصفور ، وتهييج عبدالله ولطرد كل مانع وللمتعسرة عن الولادة ، وللقرين ، وتهييج الملك ميمون ، وللسل ، وللرمد ، وإخراج الحبة ، ولجلب السحر ، وللربط ، ولتدمير الظالم ، ولرد المطلقة ، ولإظهار السارق ولإبطال العين ، وللبنت البائر عن الزواج .
والسيد الحسيني عضو الاتحاد العالمي للفلكيين بباريس له هو الآخر كتابان ، الأول بعنوان " سحر الكهان في أعمال الجان " صادر عام ( 1994 ) والثاني بعنوان " السر الرباني في علوم الفلك الروحاني " صادر عام ( 1992 ) ، وهما متشابهان في العديد من الموضوعات غير أن الكتاب الأول " سحر الكهان " يورد نصائح عامية لتقوية الشهوة لدى الرجل تحديداً ، ولا تخرج الموضوعات الأخرى في الكتابين عن سابقيهما ، ولست في حاجة طبعاً لأن نقول لك أن هذه الكتب منتشرة جداً ومقروءة جداً حتى في كثير من البيوت العامرة بالمصاحف .
والمشكلة التي يجب أن يواجهها العلماء والباحثون معاً .. هي أن الناس تستند في اعتقادها في الجن والعفاريت إلى خلفية قرآنية ، فموضوعات مثل الجن والعفاريت ورد ذكرها في القرآن الكريم وبعض الأحاديث النبوية ، لكن الناس لا تفهم كيف تحدث القرآن عن الجن – المهم أنه تحدث والسلام – بعد ذلك يرون أن كل ما يردد عن الجن صحيح ، ولا أحد كذلك ينظر في سند الأحاديث أو رواتها وهل هذه الأحاديث صحيحة أم أنها مدسوسة على النبي صلى الله عليه وسلم . وتعرف أن ذلك لن يكون سهلاً بعد انتشار العوامل التي تساعد على تعميق الخرافات وتجذرها في عقول الناس .
فلدينا إصدارات عديدة مطروحة للبيع وكلها تتعلق بموضوعات غريبة مثل الزار والسحر وعالم الروح وأعمال الجن والعلاج الرباني للسحر والمس الشيطاني .


عكاظ – العدد 13284
د. محمد الحربي – جدة


56 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع