د. خالد بن حمد الجابر     
06/06/2007

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على حبيبنا الرسول النبي الكريم، وعلى آله وأهل بيته وأصحابه الطيبين، وبعد:
فاستجابة لدعوة كريمة من الإخوة في موقع الإسلام اليوم أقدم هذه الورقة المختصرة في بيان الرأي الطبي في التداوي والاستشفاء بالرقية، وقد استللتها من بحث مطول لي كتبته منذ سنوات.
ولابد قبل البدء من التأكيد على أنني لست متخصصاً في علوم الشريعة (وإن كنت حاصلاً على شهادة الشريعة، لأن التخصص لا يقاس بالشهادات فقط وإنما بالتفرغ وطول الممارسة بعد الشهادة)، ولهذا فإني لن أتوسع في تناول المسائل الشرعية البحتة، فهي فيما أحسب مشهورة ومتداولة ويمكن الوصول إليها بيسر وسهولة. وسأركز على مسائل طبية تطبيقية عرفتها بحكم تخصصي في الطب تعلماً وممارسة وتعليماً زهاء ربع قرن، والله ولي التوفيق.

وقد رتبت هذه الورقة المختصرة في 14 مسألة. واقتصرت فيها على المسائل ذات الصلة المباشرة بالرقية، أما مسائل الأسباب الغيبية للأمراض (السحر والمس والعين) فذكرتها هنا تفريعاً لا أصالة.

[1] ما المقصود بالاستشفاء بالرقية؟
الرقية هي"قراءة آيات وأذكار وأدعية على الشخص بقصد العلاج والتداوي أو وقايته من الأمراض"، وتسمى أيضاً تعويذة أو عزيمة. وهي من العلاجات الإيمانية الغيبية. ولم تدخل الرقية إلى الآن في الطب المعاصر، على قاعدته في عدم الاعتداد بالغيبيات وما وراء الطبيعة، وهو يصنفها عموماً ضمن الطب البديل في قسم الروحانيات والعلاج الديني.

[2] هل كل أنواع الرقية الموجودة حاليا مشروعة؟
ليست كل التعاويذ مقبولة في الشرع، لأن أكثرها يفتح باب التعلق بغير الله تعالى وبالأوهام، ويفتح باب الشعوذة والدجل، لكن منها ما هو مقبول في الشرع أو حتى منصوص عليه صراحة، وحديثنا في هذا البحث عن النوع المقبول شرعاً، دون المنهي عنه(1).

[3] مقصد التشريع في الاستشفاء بالرقية
إن الفكرة الأساسية في تشريع الرقية أنها علاج إيماني غيبي، مصلحة التشريع فيه ربط الناس بالله وزيادة إيمانهم وتعميق معاني الالتجاء إلى الله والتعلق به والروحانية.
إن حاجة الناس إلى العلاجات الإيمانية في الجملة ومنها العلاج بالرقى أمر ظاهر نحسه نحن الأطباء في عياداتنا ومستشفياتنا وغرف العمليات وأجنحة الطوارئ. نحسه ونلحظه في المرضى الذين ندرك بحكم الخبرة أنهم بحاجة إلى روح قوية وإيمان راسخ ونفسية مرنة، تساعدهم على التكيف مع أمراضهم وسرعة الشفاء منها، كما أنهم بحاجة إلى طلب المدد والغوث من الرب العظيم الكريم الذي بيده مقاليد الصحة والمرض والعافية والسقم، فليست مفاتيح الشفاء عند الأطباء، إنما هم أدلاء على هذه المفاتيح، سبحانه وتعالى (وإذا مرضت فهو يشفين).
ومن العبارات التي أكررها كثيراً وأؤكدها على المتدربين في الدراسات العليا أن "المعاناة ليست دائماً على قدر المرض"، والمعنى أنك قد تجد مريضين مصابان بنفس المرض، وأنت تدرك من معارفك الطبية أن درجة قوة المرض عند الأول شديدة وقاسية ومع ذلك فتراه مطمئناً مرتاحاً منشرح الصدر، لا يشتكي إلا بالقدر الذي يوضح فيه الأعراض. أما الآخر فدرجة المرض طبياً عنده ليست قوية ولا عنيفة ومع ذلك فهو شاكٍ باكٍ، يتذمر من حاله ويندب حظه ويصيح من ألمه!.
ومن مقاصد الشريعة أيضاً في هذا الباب: أن العلاج بالرقية في الشريعة بسيط سهل لا تعقيد فيه ولا تكلف ولا طقوس مبالغ فيها، وأية طقوس إضافية عليه تخرجه عن مقصد التشريع فهي بدعة بغيضة مقيتة، فإذا صارت هذه الطقوس المبتدعة توقع الناس في شرك الوهم ومتاهة الشك ودوامة القلق، أو تصرفهم عن التعلق بالله إلى التعلق بالأشخاص، فهو لا شك خروج بالرقية عن مقصودها ووقوع في المحذور.
ومشكلتنا في فهم مقصد التشريع في العلاج بالرقية أننا ما بين الفعل وردة الفعل، والطرفان مخطئان والصواب مع الوسط.
والطرف الأول هم المنكرون للرقية أو الذين لا يمارسونها إطلاقاً ويكثر هذا في الأطباء. وهم ما بين منكر لها أصلاً، أو مؤمن بها لكنه متجاهل لها غير مبال بها. وفي بحث ميداني لي أجريته عام 1416 هـ كانت الغالبية من الأطباء (80%) يؤمنون بالرقية، و(20%) منهم مترددون. لكن الأكثر (93.3%) لا يطبقونه على مرضاهم أبداً أو يطبقونه في أحيان قليلة فقط.
ولابد أن نعترف نحن الأطباء بإعراضنا في الجملة عن العلاجات الإيمانية ومنها الرقى، إما عن عدم قناعة أو عدم تطبيق فعلي، مع أن الأصل أن أي مشكلة صحية تواجه المجتمع فالقطاع الصحي هو المسئول الأول عنها. لكن من أسف أن الطب الذي درسناه لا يشير إلى هذه العلاجات الغيبية إلا في موضع التندر والانتقاص وأنه لا دليل علمياً عليها، ولم تحدث حتى الآن حركة علمية بحثية قوية من الأطباء المسلمين أنفسهم لدراسة هذا النوع من العلاجات بعقلية المؤمن، وأسباب هذا كثيرة أبسطها أن بيئة البحث العلمي عندنا لا تسعف!.
والطرف الثاني هم الذين ابتدعوا في الرقية ما ليس منها وأدخلوا فيها طقوساً وتعقيدات زعموا أنها من التجربة الشخصية. ألا قاتل الله الغلو والتعقيد!. فالرقية علاج غيبي إيماني معروف أقره النبي –صلى الله عليه وسلم- ومارسه بنفسه الشريفة وعلى أهل بيته الكرام، ومارسه الصحابة والأئمة بدون تعقيدات ولا طقوس إضافية.
فلما ابتعد المسلمون عن بساطة الإسلام وروح الشريعة وأوغلوا في التعقيد وتعلقوا بالطقوس جاءت العاقبة سيئة غير حميدة، وأضافوا إلى الرقية أشياء كثيرة ليست منها أصلاً، وصاروا يزعمون أن هذا عرفوه بالتجربة والممارسة، فأبعدوا الناس عن روح القرآن وعن السر الأول في الاستشفاء بالرقية، وهو الاعتماد على الله واللجء إليه والاقتراب منه أكثر وزيادة الإيمان وروحانية القلب وصفاء النفس، وتحول ذلك كله إلى الاعتماد على الرقاة واللجوء إليهم، ودخل كثير من المرضى في دوامة الوهم وصدق فيهم قول الباري (فزادوهم رهقا) فانقلبت الرقية داء بعدما كانت دواء.
ولطالما تمنيت أن يبتعد الرقاة عن كل هذه الطقوس الإضافية المبتدعة، ويعززوا في الناس معاني الإيمان والتوكل والصبر والاحتساب، ويزيدوا فيهم من الروحانية والصفاء، لا أن يدخلوهم في متاهة الوهم والشك والقلق.
وهذا كله بسبب هؤلاء الصنف من الرقاة، وهم كثير للأسف، الذين يتأكلون بالرقية عن جهل أو حسن نية أو اجتهاد خاطئ أو رغبة في المال، ألا سامحهم الله أفسدوا علينا الرقية!.
أما الفريق الوسط فهم الذين يرون الرقية علاجاً إيمانياً غيبياً للأمراض وقاية وعلاجاً، وأن الهدف منه تعزيز الإيمان في نفوس الناس وتقريبهم من ربهم ومولاهم، وتقوية معاني الإيمان والتوكل والرضا والصبر والاستعانة بالله وحده. وأنه بسيط سهل لا تعقيد فيه ولا تكلف ولا طقوس مبالغ فيها.

[4] هل الرقية نافعة فعلاً في علاج الأمراض؟ وما الرأي الطبي في ذلك؟
التداوي بالرقية من الأمور التي اتفق على مشروعيتها بالجملة جميع علماء المسلمين. والسنة مليئة بالأحاديث الصحيحة عن الرقية، فحبيبنا –صلى الله عليه وسلم- رقى نفسه الشريفة، ورقاه بعض الصحابة، وأمر بعضهم بالرقية، وأذن لهم بها حين سألوه عنها، وأقر الذين يرقون في عهده عليه الصلاة والسلام.
وهذا كله دال على أن الرقية سبب صحيح نافع للشفاء. وهناك حوادث كثيرة تؤكد حصول الشفاء بالرقية، مما لا يمكن إنكارها، في السنة النبوية وفي التاريخ والواقع. منها على سبيل المثال حديث الذي لدغته العقرب، فقرأ عليه بعض الصحابة سورة الفاتحة فبرأ (2)، والآخر المجنون المعتوه، الذي رقاه بعض الصحابة بسورة الفاتحة ثلاثة أيام فبرأ(3)، وحديث عثمان بن أبي العاص الذي رقى نفسه من وجع قديم معه فبرأ(4). ومن أخبار الصحابة في ذلك: ما حصل لخيلٍ لأحد التابعين، عانها رجل، فأُحصرت لا تأكل ولا تشرب ولاتبول ولا تروث، فرقيت الخيل فبرئت(5). وقبل ذلك كله: وعود رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، الصادق المصدوق، للصحابة وهو يعلمهم الرقى، أن من قالها عافاه الله(6)، ولم يصبه شيء (7).
الرأي الطبي في فعالية الرقية وفائدتها في علاج الأمراض:
برغم أنه ليس بين أيدينا دراسات تجريبية حديثة تؤكد فعالية الرقية، لكننا نؤكد أن جهلنا بمثل هذه الأمور الغيبية، لا يصح أن يكون مبرراً لإنكارها، خاصة يوم جاء الشرع بإثباتها، وليس من شيء يمنع أن يقوم أحدنا بدراسات علمية مَقِيسَة [أي قابلة للقياس]، ليستيقن من في قلبه شك، ويزداد الذين آمنوا إيمانا.
صحيح أن الطب المعاصر لا يؤمن بالغيبيات وما وراء المادة، لكنه يحترم نتائج البحث التجريبي الموثق، فلو أن الأطباء المسلمين نشطوا لبحث مسائل الرقى والعلاجات الإيمانية عموماً وخرجوا بنتائج مقنعة، لاقتنع بها العالم كله بما في ذلك علماء الغرب. وقد رأيناهم بأم أعيننا كيف كانوا يستخفون بكثير من ممارسات الطب الصيني وطب الأعشاب، فلما أجريت على بعضها بحوث تجريبية وخرجت بنتائج مقنعة سلموا لها، بل وأدخلوا ما أثبته البحث منها في مناهج الطب عندهم.

[5] في زمن الرقية، وكيف يرقي؟.
قال ابن حجر رحمه الله: قد ثبت في الأحاديث استعمال [الرقى] قبل وقوع [البلاء]. واستدل لذلك بأحاديث، منها حديث عائشة –رضي الله عنها-:"أنه –صلى الله عليه وسلم- كان إذا أوى إلى فراشه، ينفث بالمعوذات ويمسح بهما وجهه..." (8)، وحديث ابن عباس:"أنه –صلى الله عليه وسلم- كان يعوذ الحسن والحسين، بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة.." (9).
والذي يهمني هنا من الناحية الطبية أن الرقية مشروعة كإجراء وقائي حال الصحة قبل حصول المرض، وهذا فيما أحسب مفهوم غير مطبق على شكل واسع بين الناس، وهنا يأتي دور الراقي في توعية المجتمع. والحري بالإنسان ألاّ يفرط في هذا الحصن الحصين، من مشكاة النبوة، ومن لم يحفظه الله لم تحفظه حيطته وحرصه.
أما إذا وقع المرض فمشروعية الرقية واضحة ومشهورة.
وفيما يتعلق بكيفية الرقية فقد بينها العلماء وجاءت في السنة على هيئات وصور متعددة تراجع في مظانها، لكن الملاحظ أن الكيفية الشائعة الآن هي القراءة في الماء أو الزيت وشربه أو دهن الجسم به، وهذه الكيفية وإن كانت مشروعة وجاءت فيها بعض النصوص والآثار(10)، إلا أن الشائع المستفيض من فعله –صلى الله عليه وسلم- وفعل أصحابه هو القراءة المباشرة بالنفث أو التفل(11).
وقد توسع الناس كثيراً في الماء والزيت المقروء فيه، حتى صار الماء والزيت المقروء يباع ويشترى ويوزع على المرضى في المستشفيات، ولست أدري هل هذا مفيد أصلاً؟ وهل هو متفق مع مقصود الشارع من تشريع الرقية أو لا؟ في النفس والله من كل هذا شيء، والكلمة الفاصلة على كل حال لأهل العلم بالدليل، والله أعلم.

[6] إذا مرض الشخص فهل يتعالج بالرقية أولا أو يتعالج بالطب الحديث أو يمكن الجمع بين الرقية والعلاج الطبي؟
بمعنى: هل يكتفي الإنسان بالرقية دون العلاج الطبي؟. أو يكتفي بالعلاج الطبي دون الرقية؟.
فلو أن إنساناً لُدغ -مثلاً- وأحب أن يرقي نفسه بالفاتحة، ولايذهب للطبيب، فهل يقبل منه هذا؟.
والجواب في نظري مجمل ومفصل. أما المجمل والمختصر فهو أن الأفضل والأكمل الجمع بين الدوائين الإيماني والطبي. وأما الجواب المفصل فهو ينبني على 3 مسائل:
الأولى: هدي نبينا الكريم –صلى الله عليه وسلم-، ماذا كان يصنع؟ (12).
الذي جاء عنه –صلى الله عليه وسلم- ليس من جنس واحد فقط، وهو –صلى الله عليه وسلم- أكمل الخلق وأعظمهم توكلاً وأقواهم يقيناً، ومع ذلك فتارة يعالج ما يصيبه، أو يصيب غيره، بالرقية، وهذا منتشر مشهور لا يحصى. وتارة بالدواء المادي، وهذا كثير من إرشاده –صلى الله عليه وسلم- للصحابة، وفَعَله هو نفسه، كما صح عنه أنه احتجم (13)، ووضع الحصير المحروق على جرحه(14)، ووصف النبي –صلى الله عليه وسلم- لبعض المرضى من أصحابه أدوية طبية كانت شائعة في زمنه، ولم يرشدهم إلى الرقية(15)، وتارة يجمع بينهما(16)، بل ربما عالج المرض نفسه، تارة بكذا وتارة بكذا، كما كان يصنع بالجروح والقروح.
والثانية: في قوة تأثير الرقية، وهل هي سبب قطعي للشفاء؟
الذي يُفهم من كلام أهل العلم أن الرقية سبب مؤثر ولاشك، وهي من جنس الدعاء، فإن الله تعالى قد يقبل دعاء عبده، وقد يؤخره له ولو كان العبد صالحاً، لحكمٍ كثيرة يعلمها الله عز وجل.
ثم إن الرقية متوقفة على عوامل عديدة، منها أن تكون نفس الراقي مستيقنة بأثره مطمئنة إليه، أما إذا رقى على سبيل التجربة وقلبه يرجف، فإن هذا لاتنفعه الرقية في الغالب. وهذا بخلاف الأدوية المادية، فهي وإن كانت مفتقرة إلى روح قوية، لكن أثرها قد يستقل بنفسه(17).
ومعنى هذا أن الرقية وإن كانت سبباً شرعياً لعلاج الأمراض، لكنها ليست سبباً مقطوعاً به في كل حال، بل قد تكون سبباً مقطوعاً في حق أناس، وتكون سبباً مظنوناً في حق آخرين.بل قد تكون في حق الشخص نفسه، مرة سبباً مقطوعاً، ومرة سبباً مضنوناً.
لكن هذا لا يعني أن الرقية بمجموعها غير مفيدة، كلا، بل الرقية مثلها مثل الدعاء ومثل غيره من العلاجات الإيمانية، فهي وإن كانت تختلف في آحاد الناس، لكنها في المجموع يجب أن تكون مؤثرة بفارق واضح، وإلا لما كانت لها قيمة حقيقية.
والثالثة: في قوة الدواء المادي الطبي، وهل هو قطعي؟
العلاجات الطبية ليست على درجة واحدة:
إذ منها أدوية عُرفت وجربت وثبت أثرها، وترجح الضرر بتركها، فمثل هذه- واجب على المريض الأخذ بها، لما تقرر في الشريعة أن الأخذ بالأسباب الواجبة واجب، وأن ترك المتحقق منها، مناقض للتوكل الصحيح(18).
وهناك أدوية يغلب على الظن نفعها، بلا- ضرر ظاهر يلحق بتركها، فهي أسباب مظنونة وليست قطعية، فالأخذ بها حسن، لكن تركها ليس بمعيب في الشرع، ولا في العقل.
وبعض العلاجات المعاصرة لم يثبت نفعها،- وليس في تركها ضرر، فهي أسباب موهومة.
ومما نبالغ فيه نحن الأطباء: تخويف المرضى من ترك العلاج الذي نصرفه لهم، مهما يكن نوعه ودرجة قوته، وهذا غفلة عن هذا التقسيم البديع لقوى الأدوية، الذي قرره علماء العقيدة رحمهم الله تعالى.
والعلم برجحان النفع أو رجحان عدمه أو الشك والتساوي، عائد إلى ما يؤتاه الطبيب من العلم، فقد يقوى علم الطبيب، وتزداد تجربته، حتى يكون أقدر من غيره على تحديد قوى العلاجات. وقد يقل علمه حتى لايقدر على ذلك.
والطب المادي الذي كان في زمن النبي –صلى الله عليه وسلم- كان في غاية الضعف، بحيث يصدق عليه أن غالبه موهوم أو مظنون. ولم يزل الطب يزداد قوة، جيلاً بعد جيل، حتى آل إلى ما هو عليه الآن من القوة. والقوة التي نعني هنا هي قدرة أطباء هذا الزمن على قياس قوة العلاج وتحديد نوعه: وهل هو من العلاج المقطوع به، أو من المضنون، أو من الموهوم. وهذا يتم خلال دراسات علمية مقارنة غير منحازة (19)، بل إنه يمكن تحديد قوة العلاج بالنسبة المئوية. وهذا بالطبع لا ينطبق على كل أدوية هذا الزمن، لكنه ينطبق على كثير منها. والجهات الرسمية والجمعيات العلمية(20)، لا توثّق علاجاً ما، حتى تطمئن إلى قوته الشفائية، وغلبتها على ما قد يحصل بسببه من أضرار.
والحاصل من هذا:
أن الأصل هو الجمع بين الدوائين الإيماني والطبي، لكن يجوز للمرء الأخذ بأحدهما، على شرط التنبه إلى أن التخيير في أخذ العلاج الطبي أو تركه، ليس على إطلاقه، بل هو راجع إلى قوة هذا العلاج، ورجحان النفع به، كما ذكرنا، فكلما كان النفع أرجح كان الأخذ به أولى، وقد يجب، فإذا كان النفع مظنوناً، كان الحزم على تعاطيه أقل. أما الرقى فإنها مندوبة في كل حال، وليست بلازمة. والله تعالى أعلم.
وأما مايصنعه بعض الصالحين، من الاقتصار على الرقية في كل أحوالهم أو غالبها، دون تعاطي ما أباحه الله من الأدوية الحسية المجربة النافعة(21)، فهو في نظري خلاف هدي محمد –صلى الله عليه وسلم-، وهديُه عليه الصلاة والسلام أكمل الهدي وأسده، وهو أعظم المتوكلين على ربهم، وأقواهم به يقيناً، ولايليق به، فداه أبي وأمي وأهلي، إلا الأكمل والأفضل والأسد. فالأحرى بالصالحين - حشرنا الله وإياكم معهم، في الدنيا والآخرة - أن يقتدوا بإمامهم –صلى الله عليه وسلم-، فيصنعوا هذا مرة وهذا مرة. جاعلين عمدتهم في هذا التخيير، ما تقدم بيانه من تفاوت قوى العلاجات، المادي منها والشرعي. والله تعالى أعلم وأحكم.
وكذلك ما يصنعه بعض الناس أو الأطباء من تجاهل الرقية أو الاستهانة بها فهو تفريط كبير بدواء إيماني مفيد نافع وليس له أضرار جانبية.
ونؤكد هنا أن الرقى كغيرها من العلاجات الإيمانية الشرعية، ليست طباً بديلاً للطب المعاصر، يلجأ إليها عند فشله، بل هي طب موازٍ، يسير جنباً إلى جنب مع الدواء المادي. وهذا يدلك على خطأ يقع فيه بعض المرضى، حين يجعلون الرقية آخر الدواء، فتراهم يتنقلون بين الأطباء والمستشفيات، ويبادلون بين العقاقير والجراحات، حتى إذا انقطعت بهم الحيلة، وضاق عليهم السبب، فطنوا إلى شأن الرقى، فقالوا: ما لنا لانرقي؟، فقد تنفع!. ومثل هؤلاء يجدر ألا تنفعهم الرقية، لجعلهم إياها القشة التي يتمسك بها غريق البحر، فهي أوهى الأسباب عندهم. إلاّ أن يتولد في قلوبهم من اليقين بالله، وعظيم الاطراح بين يديه، وتعليق أزمة أمورهم إليه، ما يكون من القوة بحيث يغالب الداء، فذاك شأن آخر.

[7] ما الأمراض التي تعالج بالرقية؟
وهل الرقية خاصة بعلاج الأمراض الروحية (ذات السبب الغيبي، من السحر والمس والعين)؟ أم هي خاصة بالأمراض المستعصية؟ أم أنها مقصورة على الأمراض النفسية؟ أم هي صالحة لعلاج أي مرض؟ وهل مستند ذلك الشرع أو التجربة أم البحث العلمي؟
والجواب في نظري هنا أيضاً مجمل ومفصل. أما المجمل والمختصر فهو أن الرقية نافعة ومشروعة لكل الأمراض. وأما الجواب المفصل فهو ينبني على 3 مسائل:
الأولى: ما هدي النبي الكريم –صلى الله عليه وسلم- في هذا؟(22)>
الذي يظهر من تتبع النصوص الشرعية، أن الرقية مشروعة لكل أنواع الأمراض. فقد استخدم النبي –صلى الله عليه وسلم- الرقى، أو أذن باستخدامها، في أنواع الأمراض: العضوية منها، والنفسية، وما كانت بسبب العين ونحوها، بل جاءت نصوص أنها تقال كلما مرض الإنسان واشتكى، دون تقييدها بمرض عن آخر.
فمن النوع الأول : ما ثبت أنه رُقيَ في عهد النبي –صلى الله عليه وسلم- لعلاج لدغة العقرب(23)، والجروح (لنوع منها يسمونه النملة) (24). ومن النوع الثاني: استخدام الرقية، على عهده –صلى الله عليه وسلم- في علاج المعتوه والمجنون(25)، وإرشاده –صلى الله عليه وسلم- من أصابه هم أو حزن أن يدعو بدعاء الهم والحزن، وهو دعاء معروف مؤثر(26). ومن النوع الثالث: ماجاء أن النبي –صلى الله عليه وسلم- أمر عائشة –رضي الله عنه- وغيرها أن تسترقي من العين(27). ومن النوع الرابع: ما ثبت أن النبي –صلى الله عليه وسلم- كان يرقي نفسه إذا اشتكى(28)، وقد يرقيه جبريل –عليه السلام-(29)، وكان إذا مرض أحد من أهله رقاه(30)، وكان إذا أتى مريضاً أو أُتي به رقاه بأنواعٍ من الرقى محفوظة، وقال لأصحابه من اشتكى منكم أو اشتكاه له أخوه فليقل...الحديث(31).
وبمثل هذا قال جمع من أهل العلم.
فقد قال ابن عبد البر -رحمه الله تعالى-: وقال جماعة من أهل العلم: الرقى جائزة من كل وجع، ومن كل ألم، ومن العين وغير العين. وقال:...ومن [الـ] حديث.. جواز الرقى من كل شيء يُشتكى به من الأوجاع كلها(32). وقال القرطبي رحمه الله: فيه دلالة على جواز الرقى من كل الآلام، وأن ذلك كان أمراً فاشياً معلوماً بينهم(33).
وقد ألهم الله تعالى كثيراً من الناس التداوي بالرقية كلما أصابهم مرض، منذ اللحظة الأولى لإصابتهم به. وهذا الصنيع منهم اقتداء بالنبي –صلى الله عليه وسلم-.

الثانية: هل يمكن معرفة وتشخيص الأمراض ذات السبب الغيبي ابتداءً؟
هذه من مسائل الخلاف الكبرى في باب الرقى، وهو ما يعرف بمسألة (التشخيص)، أي القدرة على تشخيص المرض بأنه بسبب العين أو الجن أو السحر. وهذه مسألة طويلة ولا أريد التوسع فيها هنا، لكن لابد من التأكيد على محل الاتفاق ومحل النزاع.
فمن محال الاتفاق إثبات هذه اٍلأسباب الغيبية أصلاً، أعني وجود الجن والعين والسحر.
ومن محال الاتفاق إثبات تأثير العين والسحر والجن على صحة الإنسان، بأشكال وصور متنوعة بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه.
ومن محال الاتفاق أنه لا يوجد دليل شرعي قطعي على إمكانية القدرة على التشخيص.
وأما نقطة الخلاف الحقيقية فهي: هل يمكن التشخيص بناء على التجربة الشخصية والخبرة العملية والمشاهدات الواقعية؟ على قولين، فكثير من الرقاة يقولون يمكننا تشخيص الحالة بالخبرة والممارسة، وكثير من الأطباء يقولون التشخيص التفريقي (Differential diagnosis) له أصوله العلمية وليس مبنياً على التجربة الشخصية فقط، وما يزعمه القراء من قدرة على التشخيص معدود في العرف العلمي من أضعف طرق الإثبات. فإن طرق الإثبات والتشخيص تطورت مع الزمن، والطرق التي يستخدمها القراء ضعيفة وغير منضبطة.
ولعل القراء فاتهم أمر في غاية الأهمية، وهو أن تشخيص الأمراض علم قائم بذاته يمضي فيه الأطباء سحابة دهرهم، وهو من صميم تخصصهم وهو الوحيدون المصرح لهم رسمياً بالتشخيص. فكيف يقول بعض الرقاة إنهم أهل تخصص بالأمراض الروحية ويعرفون كيف يشخصونها، ويكتبون في ذلك كتباً وموسوعات ورسائل، وهم لم يدرسوا هذا العلم في جامعة ولم يأخذوا فيه شهادة، إنما هي خبرة أخذوها بالمشافهة والتجربة الشخصية؟! بل إن بعضهم صار يطالب الأطباء باحترام تخصص القراء فيه، هذا والله العجب! كيف تخصصوا؟ وأين تعلموا؟ ومن أعطاهم شهادة التخصص؟.
إن علم تشخيص الأمراض التفريقي من أخطر فنون الطب ولا يعطى الطبيب شهادة التخرج ولا تصريح الممارسة إلا بعد التأكد التام أنه متقن لهذا الفن، عارف بخفاياه ومتشابهه، بل إن الطبيب النطاسي في تخصص معين كالقلب مثلاً ليس من حقه أن يشخص أمراض تخصص ثانٍ كالأعصاب، فإذا كان هذا في حق الأطباء حين تختلف تخصصاتهم وهم بالأصالة أهل هذا الفن، فكيف بالرقاة الذين لم يدرسوا هذا الفن ولم يصرح لهم بالممارسة فيه؟!
إنني أعتقد أن ممارسة القراء للتشخيص هو خروج بالرقية عن مقصودها، ودخول فيما ليس من تخصصهم، وهم في غنية عنه. وحاجة الناس للقراء ليست في هذا إنما هي فيما لا يحسنه الأطباء ولا يعرفونه، من قراءة القرآن عليهم وتعليمهم ذلك وربطهم بالله تعالى وتعليقهم به سبحانه ورفع مستوى الإيمان عندهم وتقوية الجانب الروحي لديهم.
وعلى كل حال فالحل في نظري في هذه الجزئية بالذات هو تطوير وسائل التشخيص وطرق الإثبات والبحث، حتى نصل إلى نتيجة علمية مقنعة للطرفين. ومع ذلك وعلى افتراض أن البحث العلمي دلنا على إمكانية التشخيص فإني أرى أن التشخيص من الزيادات المنكرة على الرقية الشرعية، وأنه يدخل الناس في دوامة من الوهم والشك والقلق ليس لها أول ولا آخر، وأن الأولى بالقراء قفل هذا الباب نهائياً، والاقتصار على المقصد الحقيقي من الرقية وهو تقريب الناس إلى ربهم وتعلقهم به وزيادة إيمانهم.
ومن أسف أن غالب مشاكل الرقية وغالب نقاط الخلاف تتركز حول هذه المسألة بالذات، فليت بابها يقفل فنستريح، ونتفرغ للمقصد الحقيقي من مشروعية الرقية.
ومن محال الخلاف أيضاً: المبالغة في نسبة كثير من الأمراض للأسباب الغيبية، من عين ومس وسحر، حتى صار بعض الناس لا يفكر إلا بهذه الطريقة، وكلما أصابته صائبة أو مرض أو توعك قال لعلها عين! أو ربما تكون مساً، أو قد أكون مسحوراً. وساعد على ذلك سرعة تهور بعض المعالجين بإفتاء من جاءه بأن فيك عيناً، وأنت ممسوس من الجن الأزرق، وأنت سحرك ساحر في المغرب، وغالب هؤلاء المرضى مستعد أصلاً لتقبل مثل هذا فيدخل في دائرة من الوهم والشك والقلق، الله أعلم متى يكون خلاصه منها.
الثالثة: هل الرقية تفيد في كل مرض أم أن فعاليتها في أمراض معينة؟
أما من جهة الشرع فقد ذكرنا هدي النبي الكريم –صلى الله عليه وسلم-، وأنه كان يرقي لكل الأمراض. أما من جهة الطب فليس هناك أبحاث في هذا حتى الآن، وليس هناك في نظري ما يمنع طبياً من أن تكون الرقية مفيدة لكل مرض. لكن الناس اعتادوا أن يجعلوا الرقية في الأمراض النفسية والمستعصية، ولذلك فنحن نادراً ما نجد في العيادة مريضاً يرقي نفسه من مرض السكري أو الضغط أو القلب أو الربو، إنما يرقون أنفسهم في الأمراض النفسية والمستعصية، وهذا خلاف فعل النبي الكريم –صلى الله عليه وسلم- وهديه. نسأل الله تعالى أن يشفي مرضى المسلمين.
والحاصل:
أن ظن بعض الناس في هذا الزمن، من الرقاة والأطباء وعامة الناس، أن الرقية إنما هي لما كان سببه غيبياً، من عين أو سحر أو مس، أو كان مرضاً مستعصياً عجر عنه الطب، وأن الأمراض العضوية لا تعالج بالرقية، فهو ظن لاتسنده الأحاديث الصحاح، ولا الأقوال الملاح. بل كان لهذا الظن من الآثار السيئة أن تعمق لدى الناس، الفصل بين طب الوحي والطب المعاصر، ووسعت شقة الخلاف بين الأطباء والرقاة.


[8] من يقوم بالرقية
بمعنى هل يقوم المريض برقية نفسه، أو أنه يذهب للاسترقاء عند الرقاة؟
الأفضل والأكمل أن يرقي الإنسان نفسه، أو يتطوع أحد معارفه برقيته، وذلك لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُم الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - وَفي رِوايَة زيادة: وَلا يَكْتَوون" متفق عليه. وذلك والله أعلم لأمور:
أحدها: أن طلب الرقية من الغير يضعف التوكل، بما فيه من سؤال القراء والتعلق بأشخاصهم، مع ما قد يجره من الغفلة عن تقدير الله وتدبيره.
والثاني: أن طلبها من الغير يقطع على الإنسان غنيمة ذكر الله، والتضرع إليه.
والثالث: أن الرقية من الأدوية الشرعية، التي مدارها على قوة الروح.
لكن لا مانع من الاسترقاء عند الرقاة الصالحين الموثوقين، خاصة لمن لايحسن الرقية، كما سيمر معنا في الفقرة (أ) من المسألة رقم (13).
ونحن ننصح المريض دوماً أن يرقي نفسه بنفسه، فإن في هذا خيراً كثيراً له، وإذا أحب أن يذهب للرقاة فليختر الراقي الصالح المتدين، وليحذر أشد الحذر من المشعوذين والسحرة أو من الرقاة الذين يمارسون الرقية بطريقة غير صحيحة.


[9] كيف تساعد الرقى في علاج الأمراض؟
الرقية نوع من الدعاء والذكر، وهو من العلاجات الإيمانية الغيبية التي جعل الله تعالى فيها سبباً للشفاء. وطريقة عملها وتأثيرها من الأمور الغيبية التي ربما لا نستطيع تحديدها، لكن عدم معرفتنا بالطريقة لا يلغي فائدتها.
ومن باب التنظير فأعتقد أن الرقية قد تؤثر بالطرق الآتية:
أنها سبب غيبي- مستقل بذاته، يؤثر بإرادة الله تعالى، لما فيه من بركة كلام الله تعالى.
أنها- تقوي من نفسية المريض وقابليته للشفاء. والقابلية والاستعداد للشفاء عامل مهم من عوامل الشفاء.
أنها في حال تطبيقها بشكل صحيح فإنها ستربط المريض ببقية- العلاجات الإيمانية، كالإيمان بالله واليقين والرضا والصبر والاحتساب والدعاء والرجاء وغيرها.
والرقى ليست من جنس الأدوية الطبية المادية، بل هي من الأدوية الإلهية المتعلقة بالروح، وقوة تأثير الرقية تعتمد على عاملين مهمين:
الأول: قوة القرآن والأذكار وبركتها. وهذا ثابت لا يختلف على مر الأزمان واختلاف الأشخاص.
الثاني: اعتقاد المريض وقوة إيمانه وقناعته ويقينه بموعود الله تعالى. فلابد لها من قوة التوكل وصدق اليقين بالله، ولذا فإنها قد تنفع مع مريض ولا تنفع مع آخر، بحسب ما يكون في قلب صاحبها من اليقين والثقة بموعود الله.
أما الراقي إذا لم يكن هو المريض نفسه، فيكون مؤثراً إذا كان صالحاً مقبولاً عند الله، أما الخبرة والممارسة فلا أظنها من معايير قبول الله لرقية الراقي، لأن الرقية عمل قلبي إيماني غيبي متعلقها الصلاح والاستقامة، لا الخبرة والممارسة.
ويشيع كثيراً بين الناس عبارة (السيف بضاربه) ويقصدون أن تأثير الرقية هو بحسب صلاح الراقي وقوته وخبرته، وهذا القول صحيح إذا كان الراقي هو المريض نفسه، فإن قوة اعتقاد المريض ويقينه بموعود الله هي العامل المهم. أما إن كان الراقي ليس هو المريض فهذا القول رغم شيوعه وهو منقول عن الإمام ابن القيم رحمه الله ليس صحيحاً على الإطلاق. إذ ليس مقصود ابن القيم وهو أستاذ القلوب والرقائق أن يعلق الناس بأشخاص القراء، وإنما مقصوده التأكيد على أهمية النية والاعتقاد في تأثير الرقية.
والمشاهد الآن أن الناس يبحثون عن الراقي الجيد، الذي يشفى الناس على يديه (بإذن الله طبعاً)، فانقلبت الرقية عن مقصودها في تعليق الناس بالله تبارك وتعالى، إلى التعلق بأشخاص القراء. والتحذير من التعلق بالأشخاص يرد حتى عند التعالج لدى الأطباء، لكنه في حق الأطباء أقل خطراً لأن مراعاة أهمية المهارة والحذق في الأطباء واضحة فالعلم الذي معهم مادي تجريبي، أما القارئ فهو مبلغ عن الله تعالى والأصل فيه أن يربط الناس بمولاهم لا بشخصه. والله أعلم.

[10] هل العلاج بالرقية تنطبق عليه قوانين البحث العلمي، ويمكن قياسه وإجراء التجارب عليه؟ أم هو أمر غيبي غير خاضع لقوانين البحث العلمي؟
قرأت لبعض الزملاء من الأطباء أن تأثير الرقية لا يمكن أن تنطبق عليه قوانين البحث العلمي، لأنه أمر غيبي لا يمكن قياسه، ولأنه متداخل مع سلوكيات وعلاجات إيمانية أخرى لا يمكن ضبطها وتحييدها.
فإن كان المقصود إغلاق باب البحث العلمي في باب الرقى نهائياً فهذا لا يمكن أن يوافق عليه أحد، وإن كان المقصود صعوبة ذلك فنعم قد تكون إجرائيات البحث صعبة لكنها ممكنة، ولنا في العلوم النفسية والاجتماعية أسوة حسنة، فلنستفد من طرائق البحث هناك ونعدّلها بما يتناسب مع خصوصية الرقية.
بل إني أقول إن البحث العلمي المنضبط هو المطلوب في هذه المرحلة، بدلاً من السجال الذي وصل حد السباب وتبادل التهم، فالبحث العلمي يرجى أن يساهم في الإجابة على كثير من الأسئلة العالقة، ويزيل اللبس في كثير من القضايا المختلف فيها.

[11] كيف نستفيد من مفهوم الرقى، في العلاج الطبي؟..
الواقع الحالي فصام واضح بين الطب والرقية، وما لم ينشط الأطباء أنفسهم لتصحيح الوضع فلن يفعل ذلك أحد بالنيابة عنهم. إن العلاجات الإيمانية ومنها العلاج بالرقى غائب تماماً أو شبه غائب في ممارسات الوسط الطبي حالياً، ولا يجرؤ أحد من الأطباء حتى الآن على الحديث عنه في محاضراته أو أبحاثه بل ربما أحياناً مع مرضاه.
وقد يكون من أهم الأسباب هو أن الأطباء لا ينظرون عادة إلى أي علاج ما لم يقنن ويضبط وتتم دراسته بشكل علمي واضح، حتى يمكن إدراجه ضمن الممارسات اليومية في الطب، والعلاج بالرقية لم يقع له شيء من ذلك.
وأنا شخصياً أعتقد أن الحل لهذا الفصام هو في تحويل الرقية إلى تخصص علمي جامعي، ودمجه مع القطاع الصحي، وتكثيف البحوث فيه. وسأفصل أكثر في هذا الرأي في مسألة رقم (14).

[12] لماذا يحصل نفور بين بعض الأطباء وبعض الرقاة؟
أعتقد أن السبب مشترك.
فالأطباء من جهة قد يكون فيهم شيء من الغرور والاستعلاء على الرقاة، خاصة مع وجود الفارق في مستوى التعليم والشهادة بين هؤلاء وهؤلاء. وفي الأطباء أيضاً سرعة وعجلة في إنكار ما لا يثبت، وهذا من سلبيات المدرسة الطبية المعاصرة التي تطالب بالدليل المادي على كل شيء، وعلى كل فقد خفت هذه الصرامة في أوساط البحث الطبي، حين تبين لهم استحالة إثبات كل مسائل الطب وقوانينه بالأدلة المادية القاطعة. لكن مع ذلك يبقى البحث العلمي هو الدليل المفضل القاطع للنزاع.
أما الرقاة ففيهم شيء كبير من النفور من الطب المعاصر، لأنهم يرونه غربياً لا يؤمن بالغيبيات ولا بالله تعالى. وفي الرقاة أيضاً إشهار لسلاح النصوص الشرعية في غير مكانها أحياناً، وفيهم أيضاً عجلة في التعميم والأخذ بالعموميات والاعتداد بالتجربة الشخصية، وهي كما قلنا أوهى درجات الإثبات العلمي وأضعفها.
وتحولت القضية إلى محاولات لإثبات الرأي من كل فريق. والمخلصون من كل فريق يقولون لابد أن نلتقي ونتحاور، والحوار خطوة بناءة لكنه إلى الآن لم يحل المشكلة، ولا أظنها ستحل بمجرد الحوار، بل لابد من تحرك علمي تجريبي واسع وقوي، وسأذكر مقصودي بهذا التحرك العلمي في المسألة الأخيرة عند ذكر المقترحات.
وما لم يتجرد هؤلاء وهؤلاء فإن الضحية هم المرضى!.

[13] ملاحظات طبية حول بعض الممارسات والطقوس في الرقية (تنظيم العلاج بالرقية).
أ‌- ما يسمى بعيادات الرقية (ظاهرة تفرغ البعض للرقية على الناس).
رقية العارف غيره كان أمراً معروفاً في الجاهلية والإسلام، فقد ثبت في السيرة أن بعض الصحابة، بيوتات وأفراداً، كانوا يرقون الناس ويُعرفون بذلك، منهم آل حزم، وهم أهل بيت من الأنصار، كانوا يعرفون بالرقية في الجاهلية، ثم أقرهم الرسول –صلى الله عليه وسلم- في الإسلام، وقد كان من الصحابة من يرقي المجانين ويعرف بذلك(34)، ومنهم من كان يرقي من العقرب(35). والرسول –صلى الله عليه وسلم- أذن لبعض الصحابة، أن يطلبوا الرقية ممن يحسنها، وحث أصحابه على رقية المرضى، في قوله: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ"(36). وإلزام الناس جميعاً ألا يطلبوا الرقية من الغير، وأن عليهم أن يقرؤوا على أنفسهم، أمر كمال لا يمكن تحققه لكل الناس، إذ ليس كلهم محسن للرقية عارف بها.
وهذا غاية ما نعرف من أحوال تلك القرون الفاضلة، أن يكون أناس معروفون بالرقية خبيرون بها. أما الآن فقد تطور الأمر وأصبح الرقاة لهم أماكن خاصة بهم تسمى غالباً "عيادات العلاج بالرقية"، وصارت الرقية حرفة وباباً للكسب، يتفرغون لها، ويعرفون بها، ويشار إليهم بالبنان، ويسافر إليهم من شتى الأقطار.
ولا شك أن حاجات الناس زادت، والأمور أصبحت أكثر تعقيدا، ووجود هذه العيادات أعتقد أنه استجابة طبيعية لطلبات المجتمع، لكن المقلق أنها وجدت هكذا بلا تنظيم ولا ضوابط، وصارت كلأ مباحاً لكل أحد، فدخلها الأمي والجاهل والمشعوذ والدجال، وإن كانت لم تخل بحمد الله من طلبة العلم والأخيار والصالحين. وقد بانت لهذه العيادات مفاسد شرعية كثيرة أشار إليها بعض الباحثين(37)، وبعض هذه المفاسد قبيح شنيع لا يمكن السكوت عليه أو التغاضي عنه.
ولهذا أفتى عدد من علماء العصر بالتنفير من هذه العيادات لغلبة المفاسد وشيوعها، وكل هذا الذي تقدم، إنما هو خلاف في عيادات الرقية لا في جواز الاسترقاء عموماً. فإن طلب الرقية من الغير أمر مباح بلا ريب، خاصة لمن لا يحسن الرقية.
وأنا شخصياً لا أظن أن الحل هو في الإغلاق نهائياً لأن هذا في نظري غير ممكن إطلاقاً ولا منصف أيضاً، وإنما الحل هو في تنظيم العلاج بالرقية وإصدار اللوائح والأنظمة المقننة له. وهذا الاقتراح هو أحد الاقتراحات الخمسة التي أقترحها لتطوير هذا العلم، وسأذكرها في فقرة مستقلة في المسألة رقم (14).

ب‌- الدور المطلوب من الراقي:
في نظري أن ما يجري حالياً فيما يسمى عيادات الرقية لا يفيد المرضى كثيراً، لأن فيه خروجاً عن مقصود الرقية وهو التعلق بالله إلى التعلق بأشخاص القراء وإلى التعلق بالزيت والماء، بل ربما كان المريض يراجع عيادات القراء سنين عدداً ولم يحصل أن قرأ على نفسه من القرآن شيئاً!. والمفترض بالرقاة أن يعلموا الناس كيف يرقون على أنفسهم، ويحفظونهم الآيات والأذكار، بحيث يطبقها المريض بنفسه ويراجع الراقي بين وقت وآخر. أما هذا البيع العلني لآيات الله في الماء أو الزيت فليس من مقصود الرقية في قليل أو كثير.
وقد مر سابقاً أن القوة الحقيقية في الرقية ليست في الراقي فقط، وإنما هي في القرآن وفي اعتقاد المريض نفسه وقوة يقينه.

ت‌- إضافة الضرب والخنق للرقية
وهذا من أسوأ الطقوس الإضافية، وليس له مستند شرعي صريح، وحصلت منه مفاسد كثيرة، والذي نشره وأشاعه هيبة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فإنه قد نصر هذا الرأي، وعموماً الفتوى حالياً قائمة على التحذير من الضرب والخنق. وإنك لتعجب هل قوة القرآن ضعيفة حتى نضطر إلى الضرب والخنق، وهل الجن يخافون من الضرب أكثر من خوفهم من القرآن؟

ث‌- منع المريض من أخذ العلاج الطبي
وهذا أمر مؤسف ويقع كثيراً من بعض الرقاة، ولا داعي لمثل هذا خاصة أنا ذكرنا أن الأصل الجمع بين الدوائين الإيماني والطبي في المسألة رقم (6).

ج‌- الرقية بغرض التشخيص
وقد شرحنا في المسألة رقم (7) صعوبة تشخيص الأمراض ذات السبب الغيبي أصلاً، ونبهنا على خطأ المبالغة فيه، وذكرنا أنه على فرض أن الراقي عرف التشخيص فإن التوصية بعدم إخبار المريض به.

ح‌- المبالغة في نسبة الأمراض للأسباب الغيبية
ما أسهل الإسلام وأبسطه، وما أعقد بعض المسلمين. حتى جعل بعضهم كل شيء يصيبه عيناً أو سحراً أو مساً، وهذا وهم كبير. لست أدري كم نسبة هذه الأسباب الغيبية من مجموع أمراض الناس؟ هل هي 5% أو 10% أو 20% أو أقل أو أكثر؟ لست أدري ولا أعرف أبحاثاً علمية في الموضوع، وقد ترك الشارع الحكيم هذه المسألة دون تفصيل، فعلينا الاجتهاد والبحث، وليت أحداً من الباحثين المتمكنين ينشط لذلك.

خ‌- مسألة إخراج الجان والصرع الشيطاني
هذه المسألة من أكثر مسائل الرقى إثارة ورعباً، وهي من أكثرها خلافاً بين الفرقاء.
فجمع من القراء يؤكدون على أنها حقيقة يرونها ماثلة أمامهم كل يوم، وأنهم يتحدثون مع الجني ويوبخونه ويخرجونه، في مشهد أسطوري تظهر فيه مجموعة من الصور المتباينة. تبدأ بصورة المريض المسكين والغالب أنها امرأة، وهي تهتز وترتجف والجني ينطق على لسانها، وهي تقول ما لا تعي وتتصرف بلا شعور، في حالة بئيسة من الضعف الإنساني يصل فيها المرء إلى أضعف حالاته. ومعها صورة الأهل الخائفين على ابنتهم المرتقبين على أي شيء ينتهي السجال العجائبي بين الإنسي والجني. وصورة الشيخ البطل القوي الذي يخرج الجان ويحرقهم ويزجرهم، في عكس واضح للصورة السائدة عن قوة الجن وقدراتهم الخارقة وجبروتهم.
كما أن القراء يتمسكون بنقولات كثيرة جداً عن العلماء قديماً وحديثاً في جواز تلبس الجني للإنسي وصرعه له، وهذه النقولات موجودة ومشهورة، وصلت إلى حد نقل الإجماع في ذلك(38).
وأما جمع آخر من الأطباء فلا تعني عندهم كل هذه المشاهد الدراماتيكية سوى حالة قوية من "الإيحاء النفسي" القوي الذي تنهار فيه فواصل العقل الباطن فينساح خارجاً ليعبر عن مكبوتاته في صورة يقبلها المجتمع. ويستدلون على ذلك بأن هؤلاء اللاتي خرج الجني منهن يرجعن مرة أخرى إلى العيادة النفسية في الشارع المقابل والمعاناة هي نفسها والمشكلة لم تزدد إلا تعقيداً. ومستدلين على قولهم هذا بأقوال لعلماء يستنكرون هذا التلبس ويؤكدون أن النصوص ليست قطعية الدلالة في ذلك.
ويستشهدون على ذلك أيضاً بعدم وجود هذه الحوارات بين الجن والإنس في المجتمعات الأخرى، لأن الإيحاء لا يخرج إلا في الصورة التي يقبلها المجتمع، وإنما يكون مظهر الإيحاء (أو المس) في الغالب هناك على هيئة مشكلة في الأعصاب، إما تشنجات أو شلل مؤقت أو عي في النطق ونحو ذلك.
يالله أين الصواب؟ الواقعة واحدة والتفسير مختلف إلى حد التناقض!.
أعتقد أننا لابد أن نقر ونعترف بمسألة الإمكانية أي إمكانية التلبس والصرع الشيطاني، فهذه مسألة غيبية والمرجع فيها أهل الشريعة، وعامتهم يقولون بذلك، فلنتجاوزها إلى 3 مسائل مهمة:
الأولى: التحذير من المبالغة الكبيرة المقلقة في نسبة كثير من الأحداث إلى التلبس والمس والصرع الشيطاني، حتى بلغ عدد المصريين وحدهم الذين يعتقدون أنهم ممسوسون قرابة المليون (حسب تقرير المركز القومي للأبحاث). ومن تجربتنا وتجربة غيرنا من الأطباء في تخصصات متنوعة (وليس هناك حسب علمي دراسة علمية حتى الآن) أن الإيحاء نسبته عالية جداً، وأنه ربما كان هو غالب الحالات، وأن التلبس الحقيقي قليل، وعلى كل حال فالفيصل في هذا البحث العلمي والله أعلم.
والثانية: القدرة على التشخيص، أي القدرة على معرفة أن هذا الشخص ممسوس ومصروع. فالتلبس أمر غيبي ولم ترد النصوص ببيان أماراته فهو مما ترك لاجتهاد أهل التخصص، والسؤال من هم أهل التخصص في تشخيص هذه الأمراض؟ هل هم الأطباء أم القراء؟
أما القراء فيقولون: نحن أهل التخصص في الأمراض الروحية، ولذا فالمرجع لنا في تشخيصها، والأطباء ليس لهم معرفة بالأمراض الروحية .والأطباء يقولون: تشخيص الأمراض هو أصل علوم الطب، ولا يناله الشخص إلا بالتعلم والتدريب الطويلان، ومقارنة الحالات المتشابهة ومقاربة الأمراض المتداخلة فن رفيع لا يتقنه إلا الأطباء، وقد فصلت القول في هذا قبل قليل.
وأنا أعتقد أنه لابد من تدخل النظام لحسم هذه القضية، لأنها أساسية وجوهرية، وما لم يتدخل النظام بتحديد الاختصاصات والصلاحيات فسيبقى السجال مستمراً إلى ما شاء الله تعالى.
والثالثة: ما يقع من المحاورة مع الجني والاستنطاق والإخراج. وهذه ليس لها مستند شرعي صريح، ولم تنقل عن المتقدمين بمثل هذه الصورة(39)، والكثرة الكاثرة من هذه الحوارات المزعومة نوع من الوهم والإيحاء النفسي، ولا تعدو أن تكون حواراً إنسياً إنسياً، أحد الطرفين فيه مستعد للإيحاء، والآخر خبير فيه.
لكن هل تنكر هذه الحوارات بالكلية، ويقفل بابها ويقال إنها خرافة؟ أم أن باب الاحتمال لا زال وارداً؟ لست أدري والله الآن فليس بين يدي مستند شرعي ولا طبي، فبقيت المشاهدات والوقائع وهي ليست معدودة في الحجج لاختلاف الناس في تفسيرها.
وأنا طبيب مؤمن بالله أعتقد بإمكانية التلبس والصرع الشيطاني، لكني أيضاً أعتقد بوجود الإيحاء النفسي، وأحسب من خلال تجربتي الشخصية أن كثيراً مما يقال عنها أنها تلبس تؤول في النهاية إلى حالة إيحاء. ولكني لا أنفي التلبس ولا أقول بأن كل حالات التلبس إيحاء.
وقد وقع لي شخصياً معاينة بعض حالات الإيحاء، منها حالة شاب في العشرينات جاء به أهله للطوارئ مذعورين خائفين، والنصف الأعلى من الشاب صالب متيبس لا يتحرك. فلما عاينت الحالة لم أجدها تنطبق على ما أعرفه من علم الأعصاب، فانفردت بالأهل أسألهم فأخبروني أن الشاب يمر بصدمة عاطفية لفتاة هويها ومنع منها. فطلبت منهم أن يوهموه أني طبيب نطاسي كبير لا يشق لي غبار في علم الأعصاب، وأستغفر الله العظيم فقد كنت آنذاك طبيباً تحت التدريب. ثم أحضرت أكبر إبرة وجدناها عندنا في الطوارئ، وجعلت فيها ماء مقطراً، وقلت للشاب بصوت إيحائي، قد عرفتُ ما بك، وهذه إبرة دواء خاصة لمثل هذا الحالات، وأدخلت الإبرة وأنا أتحدث إليه، وأقول له الآن ستشعر بحرارة الدواء وستبدأ أعضاؤك رويداً رويداً بالانطلاق، فوالله لم أكمل جرعة الإبرة حتى انفك عقال الشاب، وكبَّرت أمه المسكينة فرحة مستبشرة وأظنها انخرطت في نوبة بكاء من الفرح.
إني أطالب الأطباء أن يؤمنوا بإمكانية التلبس، وأطالب القراء أن يؤمنوا بوجود الإيحاء، وأقترح وهو حلم قديم لو قام فريق بحثي مشترك بدراسة الحالات التي يقال إنها ممسوسة، وتصويرها بالفديو ومقابلتها وأخذ التاريخ المرضي منها، وإعداد استبانة علمية دقيقة لمحاولة التفريق بين حالات الوهم والإيحاء وحالات التلبس، حسب قواعد أصول علم التشخيص التفريقي المعروفة.
ثم بعد ذلك يتم الاتفاق على تصميم برنامج علاجي إيماني مقنن، لعلاج حالات المس، دون ترك القراء وحدهم يفعلون ذلك، ونحن الأطباء نندب ونشجب ونستنكر، ونحن نفعل ذلك منذ 50 سنة ولم تزدد الحالات إلا كثرة وتنوعاً.
ولابد أن يكون الفريق البحثي هذا مكوناً من أطباء يؤمنون أصلاً بإمكانية التلبس ومستعدين لقبول الغيبيات، ومستعدين في حال ثبوت وجود حالات التلبس أن يضيفوها إلى دليل تشخيص الأمراض العالمي، إما في قسم الأمراض العضوية أو في قسم الأمراض النفسية.
كما لابد أن يكون القراء أيضاً ممن يؤمن "بالإيحاء" كحقيقة عملية، وأن يكونوا ممن يؤمن بأهمية البحث العلمي التجريبي في الإثبات والنفي، دون الاكتفاء بالمطالعات والمشاهدات الشخصية فهي أوهى طرق الإثبات. فأساليب الإثبات المتبعة لدى عامة القراء ليست متوافقة مع تطور العلم التجريبي، الذي بلغ مرحلة متقدمة جداً في طرق الإثبات والتشخيص والتدقيق والمقارنة.
ومن المؤلم أن هذه القضية لو كانت في بلاد الغرب لأشبعوها بحثاً ودراسة على عادتهم في الشغف بالبحث العلمي التجريبي، ولكن بيئتنا البحثية للأسف ليست على الوجه الذي نرضاه.
ألا يا ربي رحماك بهؤلاء المرضى المساكين، الذين ضاعوا بين الأطباء والقراء.

[14] خمسة اقتراحات لتنظيم العلاج بالرقية وتطويره
الاقتراح الأول: إصدار تنظيمات وتشريعات للعلاج بالرقية
لما كانت الرقية متعلقة بصحة الناس، ولما كانت الأنظمة العالمية حتى الآن تجعل أي ممارسة علاجية لابد لها من تصريح من الجهات الصحية، فنحن بحاجة ماسة حقيقية وسريعة إلى "تنظيم الرقية" وإصدار الأنظمة واللوائح فيها، وتحديد آليات عملها ومن يصرح له بممارستها وضبط الصلاحيات والاختصاصات إلى غير ذلك.
وهذا الاقتراح واضح، لكن يبقى السؤال من يضع هذه الأنظمة ومن يشرعها؟ أعتقد أن هذه الأنظمة ستتطور مع الزمن، ولا مانع في البداية أن يكون النظام مرناً، ثم يكون أكثر صرامة مع تقدم هذه العلم، خاصة إذا أخذ بالاقتراحات الأخرى الآتية، فإنها ستساعد كثيراً على تكوين النظام.

الاقتراح الثاني: توسيع مفهوم العلاج بالرقية
إن العلاج بالرقية الآن مقصور على القراءة على المرضى فقط، بطرق بعضها مقبول وبعضها مرفوض. والمطلوب هو توسيع هذا المفهوم بحيث يدخل ضمن العلاج الإيماني ويشمل الآتي:
تعليم الناس كيف يرقون أنفسهم بأنفسهم، وربطهم بكتاب الله تعالى- وبالأذكار والدعاء.
تعليم الناس معاني الإيمان بالله عز وجل والالتجاء إليه- والاعتصام به والتوكل عليه والرضا بقضائه والصبر على مرارة المرض، ونحو ذلك من معاني العلاج الإيماني الرحبة الجميلة الواسعة(40).
إضافة تقنيات الإرشاد والتوجيه- (Counseling) كي لا تكون الرقية علاجاً باتجاه واحد من الراقي إلى المريض فقط، وإنما تكون تفاعلية بمشاركة الطرفين.

الاقتراح الثالث: إيجاد تخصص جامعي جديد للعلاج الإيماني ومنه العلاج بالرقية
لدي اقتراح أطرحه للمناقشة والتطوير، وهو تحويل العلاج بالرقية إلى تخصص جامعي علمي مقنن ومنضبط يدرس في الجامعات باسم العلاج الإيماني، ويكون العلاج بالرقية أحد فروعه. وأعتقد أن هذا تطور طبيعي لهذا العلم، فبرغم تطور كل علوم الشريعة وتحولها إلى تخصصات تدرس في الجامعات، فإن هذا العلم لا يزال إلى الآن متروكاً للاجتهادات الفردية والتلقي بالمشافهة، ونسبة كبيرة من المعالجين بالرقية من حملة الشهادات الدنيا أو من غير المتعلمين.
وهذا الاقتراح إذا تم البدء به وتطبيقه فسيكون نقلة نوعية حقيقية، وأرى أن الخطوة الأولى هنا أن تبادر إحدى الجامعات أو كليات الطب لطرح هذا التخصص، وستجد من الإقبال شيئاً كبيراً، ولا شك أنهم سيصممون المنهج والمراجع ويختارون الأساتذة والأطباء المشاركين بدقة وعناية.
وستكون الخطوة التالية تنظيم ممارسة هذا العلم بعد التخرج، ووضع الضوابط لذلك، وهكذا سيتطور العلم شيئاً فشيئاً.
وسيترتب على تحويل هذا العلم إلى تخصص جديد إيجاد المسميات الوظيفية للتخصص. ومنها "المعالج الديني"، وهو أوسع من مصطلح "المعالج بالرقية"، فالمعالج الديني يكون متخصصاً في آليات الإرشاد والتوجيه الديني والإيماني، ولديه قدرة مبدئية على التشخيص التفريقي بين الأمراض في الجملة، ويعرف كيف يوجه المرضى ويرشدهم ويصحح من قناعاتهم ويعدل من سلوكياتهم باستخدام تقنيات العلاج الإيماني والديني. والمعالج الديني مثله مثل المعالج النفسي المعروف حالياً في كل دول العالم تقريباً.
ومن المسميات الوظيفية "المرشد الديني" وهو أقل من المعالج الديني ومثله مثل المرشد الاجتماعي.
لكن من يقوم بالخطوة الأولى؟! أسأل الله للجميع التوفيق.

الاقتراح الرابع: الدمج بين الرقية والقطاع الصحي
أعتقد شخصياً أن الأفضل هو دمج الرقية مع القطاع الصحي، بحيث تكون جزءاً من العلاج المتكامل، ولا تكون مفصولة عنه مبتوتة منه. إن الفكرة الأساسية للدمج هي أن العلاج بالرقية يتعامل مع المرضى بهدف علاجهم، والتعامل مع المرضى يجب ألا يخرج عن نطاق القطاع الصحي، فهو المسئول عن تشخيص الأمراض وعلاجها.
ودمج الرقية والرقاة في القطاع الصحي له فوائد كثيرة، من أهمها:
إنهاء القطيعة المتبادلة- بين الرقاة والأطباء،
وإتاحة فرصة العلاج بالرقية لكل المرضى،-
وتبادل- الخبرات بين الأطباء والرقاة،
وضبط ممارسة الرقية بتصاريح معتمدة،-
وتوسيع- دائرة الرقية بحيث تشمل العلاج الإيماني والديني كله، وهو دائرة أوسع بكثير من مجرد الرقية، إذ لا تعدو الرقية أن تكون أحد العلاجات الإيمانية.
إن ما يحصل الآن من فصام نكد بين الرقاة والقطاع الصحي خطأ كبير، لأن الأمراض متداخلة والرقاة لا يمكنهم تشخيص الأمراض، والأطباء لا يحسنون الرقية على المرضى، فاجتمع النقص هنا وهنا، فلا بد من الدمج لتجاوز هذا النقص.
وهذا الاقتراح بالدمج لا يعني بالضرورة إلغاء كل عيادات الرقية، لكن تصبح علاقتها بالقطاع الصحي أوضح، ولو كانت مستقلة عن المستشفى.
والدمج لا يعني أيضاً ذوبان الرقاة تحت سيطرة الأطباء، كلا فلدينا أمثلة واقعية من تخصصات مشابهة، مثل العلاج النفسي والإرشاد الاجتماعي، فهذه التخصصات تم دمجها في القطاع الصحي قبل عقود قليلة فقط، مع أن أصولها هي علم النفس وعلم الاجتماع، وهي علوم لا يبدو للوهلة الأولى صلتها المباشرة بالطب، مع أن الأطباء الآن لا يكادون يستغنون عن خدماتها. كما أن هذه العلوم مستقلة في أبحاثها وكلياتها ومراجعها العلمية، ولم تزدد بالدمج في القطاع الصحي إلا قوة ومتانة وأهمية. وهي فوق ذلك لم تفقد هويتها فهذه العلوم لا تزال قائمة خارج القطاع الصحي باستقلالية تامة.
أما آلية الدمج وكيفيته فهو مجال خصب للبحث العلمي والدراسة والتنقيب.

الاقتراح الخامس: أن يكون حل الخلافات بإجراء مزيد من البحوث التجريبية
وقد أكدت هذا وكررته في ثنايا هذه الورقة. وذكرت مجموعة من الأبحاث المطلوبة، وكل هذا يحتاج لبيئة بحثية، والجامعات أفضل مكان لمثل هذا. إن البحوث "المشتركة" في نظري هي أهم الحلول لهذا السجال العقيم، والدعوة للحوار فقط لم تؤت ثمارها، والسبب أن كثيراً من المسائل عالقة ليس لها مرجعية لحسم الخلاف، وكل طرف ينظر لها من زاويته هو، فلعل وعسى أن تساعد البحوث المنصفين من الطرفين على الوصول إلى حل علمي مقنع.
لكن كما تعلمون فبيئة البحث العلمي في كثير من بلاد المسلمين ليست مكتملة المقومات للأسف الشديد، ولا تساعد على إجراء مثل هذا النوع الإبداعي من البحوث، والدعم المالي لا يتوفر دوماً، فليت أحداً من تجار المسلمين ومحسنيهم وهم كثر بحمد الله تعالى ليته ينشط لدعم مثل هذه البحوث، فنفعها كبير وخيرها عميم وأجرها باق إلى ما شاء الله بعدد من ينتفع بها من المرضى على مر الزمان.
وحسب علمي ومتابعتي فلا أعرف حتى الآن أن أحداً بحث فعالية الرقية في العلاج من الأمراض في بحث علمي، ونحن بحاجة ماسة إلى حركة بحثية واسعة في كثير من مجالات العلاج الإيماني عموماً والعلاج بالرقى على وجه الخصوص. ومن هذه المجالات التي نتمنى أن تبحث بشكل جيد:
آلية وكيفية إدخال العلاج بالرقية ضمن العلاج- الطبي المعتمد.
توسيع دائرة الرقية بحيث تشمل تعميق المعاني الإيمانية في- النفوس.
وسائل وطرق زيادة فعالية الرقية.-
المسائل المتعلقة بالأسباب- الغيبية للأمراض (العين والسحر والجن).
دراسات مسحية تحليلية في المجتمع حول- قناعاتهم وممارساتهم المتعلقة بالرقية والأسباب الغيبية للأمراض.

وهكذا تتكامل الاقتراحات الخمس مع بعضها البعض، ولا تكون الحلول جزئية مبتورة. والله ولي السداد والهداية والتوفيق.

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفينا ويشفيكم من الأمراض والأدواء. هذا والله تعالى أعلم، وصلى الله على حبيبنا محمد وآله وصحبه.

(*) استشاري طب الأسرة. الحرس الوطني.
(1) في تفصيل الشروط الشرعية والضوابط، يرجع إلى كتب العقائد وشروح الحديث.
(2) رواه مسلم (السلام - ) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانُوا فِي سَفَرٍ، فَمَرُّوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ فَلَمْ يُضِيفُوهُمْ، فَقَالُوا لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ رَاقٍ؟ فَإِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ لَدِيغٌ أَوْ مُصَابٌ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: نَعَمْ!، فَأَتَاهُ فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَبَرَأَ الرَّجُلُ... الحديث.
(3) عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ: عَنْ عَمِّهِ: أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، [فأسلم]، ثُمَّ أَقْبَلَ رَاجِعًا مِنْ عِنْدِهِ، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ عِنْدَهُمْ رَجُلٌ مَجْنُونٌ [وفي رواية معتوه]، مُوثَقٌ بِالْحَدِيدِ، فَقَالَ أَهْلُهُ: إِنَّا قَدْ حُدِّثْنَا أَنَّ صَاحِبَكُمْ هَذَا قَدْ جَاءَ بِخَيْرٍ!، فَهَلْ عِنْدَهُ شَيْءٌ يُدَاوِيهِ؟، قَالَ: فَرَقَيْتُهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ، فَبَرَأَ، فَأَعْطَوْنِي مِائَةَ شَاةٍ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: {خُذْهَا!، فَلَعَمْرِي مَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ، لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ} رواه أحمد (مسند الأنصار-20833 و 20834) وأبو داود (الطب-3398 و 3402، والبيوع-2966)، وقال النووي: إسناده صحيح، وقال ابن حجر: اسناده حسن [الأذكار].
(4) عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ: أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ عُثْمَانُ: وَبِي وَجَعٌ قَدْ كَادَ يُهْلِكُنِي، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: امْسَحْهُ بِيَمِينِكَ -سَبْعَ مَرَّاتٍ- وَقُلْ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ!، مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ. قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا كَانَ بِي، فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهِ أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ. رواه أحمد (مسند المدنيين-15683) وأبوداود (الطب-3393) والترمذي (الطب-2006) وابن ماجة (الطب-3513).
(5) رواه ابن عبدالبر في التمهيد [6/288، ترتيبه للمغراوي]، عن سحيم بن نوفل قال: كنا عند عبدالله نعرض المصاحف، فجاءت جارية أعرابية إلى رجل منا، فقالت: إن فلاناً لقع مهرك بعينه، وهو يدور في فلك، لا يأكل ولا يشرب ولا يبول ولا يروث، فالتمس له راقياً!. فقال عبدالله: لا نلتمس له راقياً، ولكن ائته فانفخ في منخره الأيمن أربعاً، وفي الأيسر ثلاثاً، وقل: لا بأس! أذهب الباس رب الناس، اشف أنت الشافي، لايكشف الضر إلا أنت. فقام الرجل فانطلق، فما برحنا حتى رجع، فقال لعبدالله: فعلت الذي أمرتني به، فما برحت حتى أكل وشرب وبال وراث!.
(6) من حديث ابن عباس.
(7) مِنْ حَديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ، قَالَ: أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ تَضُرَّكَ. رواه مسلم (الذكر والدعاء-4883) و أحمد (باقي مسند المكثرين-8525) ومالك (الجامع-1498).
(8) رواه البخاري الفتح21/321
(9) رواه البخاري
(10) ينظر مثلاً كتاب "أحكام الرقى والتمائم" للدكتور فهد السحيمي ص 62
(11) المرجع السابق ص 54
(12) هديه عليه الصلاة والسلام مبثوث في كتب الحديث، في أبواب الطب والتداوي.
(13) الأحاديث في هذا كثيرة، انظر مثلاً البخاري، الأبواب عن الحجامة.
(14) البخاري (الطب-5281 و المغازي-3767 و الجهاد والسير-2688 و 2810 والوضوء-236 والنكاح-4847) ومسلم (الجهاد والسير-3345) والترمذي (الطب-2011) وابن ماجة (الطب-3455 و 3456) وأحمد (باقي مسند الأنصار-21734 و 21763).
(15) هذا كثير جداً، من ذلك: العسل والحبة السوداء والعود الهندي (القسط) والحجامة والكمأة والتلبينة والعجوة والكحل (الإثمد) وألبان الإبل وأبوالها والحناء والزيت والكي والسعوط والحصير المحروق والصبر.

14 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع