|
يندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب أحدها :
السبب الأول : التعوذ بالله من شره :
والتحصن به واللجأ إليه وهو المقصود بهذه السورة { سورة الفلق } والله تعالى
سميع لاستعاذته ، عليم بما يستعيذ منه . والسمع هنا المراد به : سمع الإجابة لا
السمع العام ، فهو مثل قوله : " سمع الله لمن حمده " وقول الخليل (صلى الله
عليه وسلم) : ( إَنَّ رَبِى لَسَمِيعُ الُّدعاءِ ) { ابراهيم 39} ومرة يقرنه
بالعلم ، ومرة بالبصر لاقتضاء حال المستعيذ ذلك ، فإنه يستعيذ به من عدو يعلم
أن الله يراه ويعلم كيده وشره .
فأخبر الله تعالى هذا المستعيذ أنه سميع لاستعاذته ، أي مجيب ، عليم بكيد عدوه
، يراه ويبصره لينبسط أمل المستعيذ ، ويقبل بقلبه على الدعاء .
وتأمل حكمة القرآن كيف جاء في الاستعاذة من الشيطان الذي نعلم وجوده ولا نراه
بلفظ ( السِّمِيعُ العَلِيمُ ) في الأعراف وحم السجدة ، وجاءت الاستعاذة من شر
الإنس الذي يؤنسون ويرون بالأبصار بلفظ ( السَّمِيعُ البَصِيرُ ) في سورة حم
المؤمن ، فقال : ( إِنَّ الَّذينَ يُجَادِلُونَ في ءايَاتِ اللهِ بغَيرِ
سُلطَانٍ أَتَاهُم إَن فى صُدُورِهِم إِلاَّ كَبرُُ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ
فَاستَعِذ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَمِيعُ البَصِيرُ ) { غافر 56} لأن أفعال
هؤلاء أفعال معاينة ترى بالبصر ، وأما نزغ الشيطان فوساوس وخطرات يلقيها في
القلب يتعلق بها العلم . فأمر بالاستعاذة بالسميع العليم فيها ، وأمر
بالاستعاذة بالسميع البصير في باب ما يرى بالبصر ويدرك بالرؤية . والله أعلم .
السبب الثاني : تقوى الله :
وحفظه عند أمره ونهيه ، فمن اتقى الله تولى الله حفظه ولم يكله الى غيره ، قال
تعالى : ( وإَنّ تَصبِرُوا وَتَتَّقوا لا يَضُرُّكُم كَيدُهُم شَيئاً ) {آل
عمران 120} .
وقال النبي (صلى الله عليه وسلم) لعبدالله بن عباس : " احفظ الله يحفظك ، احفظ
الله تجده تجاهك " .
فمن حفظ الله حفظه الله ، ووجده أمامه أينما توجه ، ومن كان الله حافظه وأمامه
فمن يخاف ومن يحذر ؟!
السبب الثالث : الصبر على عدوه :
وأن لا يقاتله ولا يشكوه ، ولا يحدث نفسه بأذاه أصلاً ، فما نُصر على حاسده
وعدوه بمثل الصبر عليه والتوكل على الله ، ولا يستطل تأخيره وبغيه ، فإنه كلما
بغى عليه كان بغيه جندا وقوة للمبغي عليه المحسود يقاتل به الباغي نفسه وهو لا
يشعر ، فبغيه سهام يرميها من نفسه الى نفسه ، ولو رأى المبغي عليه ذلك لسره
بغيه عليه ، ولكن لضعف بصيرته لا يرى إلا صورة البغي دون آخره ومآله ، وقد قال
تعالى : ( وَمَن عَاقَبَ بِمِثلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِى عَلَيهِ
لَيَنصُرَنَّهُ اللهُ ) { الحج 60} . فإذا كان الله قد ضمن له النصر مع أنه قد
استوفى حقه أولاً ، فكيف بمن لم يستوف شئً من حقه بل بغي عليه وهو صابر ؟ . وما
من الذنوب ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم وقد سبقت سنة الله " إنه لو
بغى جبل على جبل جعل الباغي منهما دكاً " .
السبب الرابع : التوكل على الله :
فمن يتوكل على الله فهو حسبه . والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما
لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم ، وهو من أقوى الأسباب في ذلك ، فإن الله
حسبه أي كافيه ، ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه ، ولا يضره إلا
أذى لابد منه كالحر والبرد والجوع والعطش .
وأما ما يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبداً . وفرق بين الذى الذي هو في
الظاهر إيذاء له وهو في الحقيقة إحسان إليه وإضرار بنفسه ، وبين الضرر الذي
يتشفى به منه . قال بعض السلف : جعل الله لكل عمل جزاء من جنسه ، وجعل جزاء
التوكل عليه نفس كفايته لعبده فقال : ( وَمَن يَتَوكَّل عَلَى اللهِ فَهُوَ
حَسبُهُ) {الطلاق 3} . ولم يقل نؤته كذا وكذا من الأجر كما قال في الأعمال ، بل
جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه . فلو توكل العبد على
الله حق توكله وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له ربه مخرجا من ذلك وكفاه
ونصره . وقد ذكرنا حقيقة التوكل وفوائده وعظم منفعته وشدة حاجة العبد إليه في "
كتاب الفتح القدسي " وذكرنا هناك فساد من جعله من المقامات المعلولة . وأنه من
مقامات العوام ، وأبطلنا قوله من وجوه كثيرة وبينا أنه من أجلِّ مقامات
العارفين ، وأنه كلما علا مقام العبد كانت حاجته الى التوكل أعظم وأشد ، وأنه
على قدر إيمان العبد يكون توكله ، وإنما المقصود هنا ذكر الأسباب التي يندفع
بها شر الحاسد والعائن والساحر والباغي .
السبب الخامس : فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه :
وأن يقصد أن يمحوه من باله كلما خطر له ، فلا يلتفت إليه ، ولا يخافه ، ولا
يملآ قلبه بالفكر فيه ، وهذا من أنفع الأدوية وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع
شره ، فإن هذا بمنزلة من يطلبه عدوه ليمسكه ويؤذيه ، فإذا لم يتعرض له ولا
تماسك هو وإياه بل انعزل عنه لم يقدر عليه ، فإذا تماسكا وتعلق كل منهما بصاحبه
حصل الشر . وهكذا الأرواح سواء . فإذا علق روحه وشبثها به ، وروح الحاسد الباغي
متعلقة به يقظة ومناماً لا يفتر عنه ، وهو يتمنى أن يتماسك الروحان ، ويتشبثا ،
فإذا تعلقت كل روح منهما بالأخرى ، عدم القرار ، ودام الشر حتى يهلك أحدهما .
فإذا جبذ روحه منه ، وصانها عن الفكر فيه والتعلق به ، وأن لا يخطره بباله ،
فإذا خطر بباله بادر الى محو ذلك الخاطر والاشتغال بما هو أنفع له وأولى به .
بقي الحاسد الباغي يأكل بعضه بعضاً ، فإن الحسد كالنار فإذا لم تجد ما تأكل أكل
بعضها بعضاً ، وهذا باب عظيم النفع لا يلقاه إلا اصحاب النفوس الشريفة والهمم
العالية ، { أما الغمر الذي يريد الانتقام والتشفي من عدوه فإنه بمعزل عنه .
وشتان } بين الكيس الفطن وبينه ، { ولا يمكن أحداً معرفة قدره } حتى يذوق
حلاوته وطيبه ونعيمه ، كأنه يرى من أعظم عذاب القلب والروح اشتغاله بعدوه وتعلق
روحه به ، ولا يرى شيئاً ألم لروحه من ذلك ، ولا يصدق بهذا إلا النفوس المطمئنة
الوادعة اللينة التي رضيت بوكالة الله لها ، وعلمت أن نصره لها خير من انتصارها
هي لنفسها ، فوثقت بالله ، وسكنت إليه ، واطمأنت به ، وعلمت أن ضمانه حق ووعده
صدق ، وأنه لا أوفى بعهده من الله ، ولا اصدق منه قيلاً . فعلمت أن نصره لها
أقوى وأثبت وأدوم وأعظم فائدة من نصرها هي لنفسها أو نصر مخلوق مثلها لها .
السبب السادس : الإقبال على الله والإخلاص له :
وجعل محبته ورضاه والإنابة إليه في محل خواطر نفسه وأمانيها تدب فيها دبيب تلك
الخواطر شيئاً فشيئاً حتى يقهرها ويغمرها ويذهبها بالكلية فتبقى خواطره وهواجسه
وأمانيه كلها في محاب الرب ، والتقرب إليه وتملقه وترضيه واستعطافه وذكره كما
يذكر المحب التام المحبة محبوبه المحسن إليه الذي قد امتلأت جوانحه من حبه فلا
يستطيع قلبه انصرافاً عن ذكره ، ولا روحه انصرافاً عن محبته ، فإذا صار كذلك
فكيف يرضى لنفسه أن يجعل بيت أفكاره وقلبه معموراً بالفكر في حاسده والباغي
عليه والطريق الى الانتقام منه والتدبير عليه ؟ هذا ما لا يتسع له إلا قلب خراب
لم تسكن فيه محبة الله وإجلاله ، وطلب مرضاته . بل إذا مسه طيف من ذلك واجتاز
ببابه من خارج ناداه حرس قلبه : " إياك وحمى الملك! اذهب الى بيوت الخانات التي
كل من جاء حل فيها ونزل بها . ما لك ولبيت السلطان الذي أقام عليه اليزك ،
وأدار عليه الحرس ، واحاطه بالسور ؟".
قال تعالى حكاية عن عدوه إبليس أنه قال : ( فَبِعِزَّتِكَ لأُغوِينَّهُم
أَجمَعِينَ * إَلاَّ عِبَادَكَ مِنهُمُ المُخلَصِينَ ) { ص 82 : 83 } .
وقال تعالى : ( إِنَّ عِبَادِى لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطَانٌ ) { الحجر 42 } .
وقال تعالى : ( إِنَّهُ لَيسَ لَهُ سُلطَانٌ عَلَى الَّذينَ ءَامَنُوا وَعَلَى
رَبِهِم يَتَوَكَّلُونَ * إَنَّمَا سُلطَانُهُ عَلَى الَّذينَ يتَوَلَّونَهُ
والَّذينَ هُم بِهِ مُشرِكُونَ ) {النحل 99 : 100 } .
وقال في حق الصديق يوسف عليه السلام : ( كَذّلِكَ لِنَصرِف عَنهُ السُّوءَ
وَالفَحشَاءَ إِنَّهُ مِن عِبادِنا المُخلَصِينَ ) { يوسف 24 } .
فما أعظم سعادة من دخل هذا الحصن ، وصار داخل اليزك لقد آوى الى حصن لا خوف
على من تحصن به ، ولا ضيعة على من آوى إليه ، ولا مطمع للعدو في الدنو إليه منه
: ( ذَلِكَ فَضلُ اللهِ يُؤتِيهِ من يَشَاءُ واللهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ ) {الجمعة
4} .
السبب السابع : تجريد التوبة إلى الله :
من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه فإن الله تعالى يقول : ( وَمَا أَصَابَكُم مِن
مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتَ أَيدِيكُم ) {الشورى 30} ، وقال لخير الخلق وهم
أصحاب نبيه دونه (صلى الله عليه وسلم) : ( أَوَ لَمَّا أَصَابَتكُم مُصِيبةُُ
قَد أَصَبتُم مِثلَيهَا قُلتُم أَنَّى هَذَا قُل هُوَ مِن عِندِ أَنفُسِكُم ) {آل
عمران 165} .
فما سلط على العبد من يؤذيه إلا بذنب يعلمه أو لا يعمله . وما لا يعلمه العبد
من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها ، وما ينساه مما عمله أضعاف ما يذكره . وفي
الدعاء المشهور : " اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم ، وأستغفرك لما لا
أعلم " ، فما يحتاج العبد إلى الاستغفار منه مما لا يعلمه أضعاف أضعاف ما يعلمه
، فما سُلط عليه مؤذ إلا بذنب .
ولقي بعض السلف رجلٌ فأغلظ له ، ونال منه ، فقال له : قف حتى أدخل البيت ثم
أخرج إليك ، { فدخل } ، فسجد لله وتضرع إليه وتاب وأناب إالى ربه ثم خرج إليه .
فقال له : ما صنعت ؟ فقال : تبت إلى الله من الذنب الذي سلطك به عليَّ .
وسنذكر إن شاء الله تعالى أنه ليس في الوجود شر إلا الذنوب وموجباتها ، فإذا
عوفي العبد من الذنوب عوفي من موجباتها ، فليس للعبد إذا بغي عليه وأذي وتسلط
عليه خصومه شئ أنفع له من التوبة النصوح .
وعلامة سعادته أن يعكس فكره ونظره على نفسه وذنوبه وعيوبه ، فيشتغل بها
وبإصلاحها وبالتوبة منها ، فلا يبقى فيه فراغ لتدبر ما نزل به ، بل يتولى هو
التوبة وإصلاح عيوبه ، والله يتولى نصرته وحفظه والدفع عنه ولابد . فما أسعده
من عبد ، وما أبركها من نازلة نزلت به ، وما أحسن أثرها عليه ، ولكن التوفيق
والرشد بيد الله ، لا مانع لما أعطى ، ولا معطي لما منع ، فما كل أحد يوفق لها
، لا معرفة به ولا إرادة له ولا قدرة عليه ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
السبب الثامن : الصدقة والإحسان ما أمكنه :
فإن لذلك تأثيراً عجيباً في دفع البلاء ودفع العين وشر الحاسد ، ولو لم يكن في
هذا إلا بتجارب الأمم قديماً وحديثاً لكفى به ، فما تكاد العين والحسد والأذى
يتسلط على محسن متصدق ، وإن أصابه شئ من ذلك كان معاملاً فيه باللطف والمعونة
والتأييد ، وكانت له فيه العاقبة الحميدة . فالمحسن المتصدق في خفارة إحسانه
وصدقته عليه من الله جنة واقية ، وحصن حصين . وبالجملة فالشكر حارس النعمة من
كل ما يكون سببا لزوالها .
ومن أقوى الأسباب حسد الحاسد والعائن ، فإنه لا يفتر ولا يني ولا يبرد قلبه حتى
تزول النعمة عن المحسود ، فحينئذ يبرد أنينه وتنطفئ ناره – لا أطفأها الله –
فما حرس العبد نعمة الله عليه بمثل شكرها ، ولا عرضها للزوال بمثل العمل فيها
بمعاصي الله ، وهو كفران النعمة وهو باب إلى كفران المنعم .
فالمحسن المتصدق يستخدم جنداً وعسكراً يقاتلون عنه وهو نائم على فراشه . فمن لم
يكن له جند ، ولا عسكر ، وله عدو، فإن يوشك أن يظفر به عدوه ، وإن تأخرت مدة
الظفر ، والله المستعان .
وهو من أصعب الأسباب على النفس وأشقها عليها ولا يوفق له إلا من عظم حظه من
الله ، وهو إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه . فكلما ازداد أذى
وشراً وبغياَ وحسداَ ازددت إليه إحساناَ ، وله نصيحة وعليه شفقةً ، وما أظنك
تُصدق بأن هذا يكون فضلاً عن أن تتعاطاه ، فاسمع الآن قوله عز وجل : ( وَلاَ
تَستَوِى الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِئَةُ ادفَع بِالَّتى هِىَ أَحسَنُ فَإِذَا
الَّذى بَينَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كأَنَّهُ وَلىُّ حَمِيمٌ * ومَا
يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍ
عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنَزغَنَّكَ مِنَ الشَّيطَانِ نَزغٌ فَاستَعِذ بِاللهِ
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العّلِيمُ ) {فصلت 34-36} .
وقال تعالى : ( أُولئِكَ يُؤتَونَ أَجرَهُم مرتَينِ بِمَا صَبَرُوا ويَدرَءُونَ
بِالحَسَنَةِ السَّيئَةَ وَمِمَّا رَزَقنَهُم يُنفِقُونَ ) {القصص 54} .
وتأمل حال النبي (صلى الله عليه وسلم) الذي حكى عنه نبينا (صلى الله عليه وسلم)
أنه ضربه قومه حتى أدموه فجعل يسلت الدم عنه ويقول : " اللهم اغفر لقومي فإنهم
لا يعلمون " .
كيف جمع في هذه الكلمات الأربع مقامات من الإحسان قابل بها إساءتهم العظيمة
إليه ؟
أحدها : عفوه عنهم .
والثاني : استغفاره لهم .
والثالث : اعتذاره عنهم بأنهم لا يعلمون .
والرابع : استعطافه لهم بإضافتهم إليه ، فقال : " اغفر لقومي " كما يقول الرجل
لمن يشفع عنده فيمن يتصل به : هذا ولدي ، هذا غلامي ، هذا صاحبي ، فهبه لي .
واسمع الآن ما الذي يسهل هذا على النفس ويطيبه إليها وينعمها به : اعلم أن لك
ذنوبا بينك وبين الله ، تخاف عواقبها وترجوه أن يعفو عنها ويغفرها لك ويهبها لك
. ومع هذا لا يقتصر على مجرد العفو والمسامحة حتى ينعم عليك ويكرمك ، ويجلب لك
من المنافع والإحسان فوق ما تؤمله .
فإذا كنت ترجو هذا من ربك وتحب أن يقابل به إساءتك ، فما أولاك وأجدرك أن تعامل
به خلقه ، وتقابل به إساءتهم ليعاملك الله تلك المعاملة ، فإن الجزاء من جنس
العمل ، فكما تعمل مع الناس في إساءتهم في حقك ، يفعل الله معك في ذنوبك
وإساءتك جزاء وفاقاً ، فانتقم بعد ذلك أو اعف ، وأحسن أو اترك . فكما تدين تدان
، وكما تفعل مع عباده يفعل معك . فمن تصور هذا المعنى وشغل به فكره هان عليه
الإحسان إلى من أساء إليه .
وهذا مع ما يحصل له بذلك من نصر الله ومعيته الخاصة كما قال النبي (صلى الله
عليه وسلم) للذي شكى إليه قرابته ، وأنه يحسن إليهم وهم يسيؤون إليه فقال : "
لا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك " .
هذا مع ما يتعجله من ثناء الناس عليه ، ويصيرون كلهم معه على خصمه ، فإن كل من
سمع أنه محسن إلى ذلك الغير ، وهو مسئ إليه ، وجد قلبه ودعاءه وهمته مع المحسن
على المسئ ، وذلك أمر فطري فطر الله عليه عباده .
فهو بهذا الإحسان قد استخدم عسكراً لا يعرفهم ولا يعرفونه ، ولا يريدون منه
إقطاعاً ولا خبزاً . هذا مع أنه لابد له مع عدوه وحساده من إحدى حالتين :
* إما أن يملكه بإحسانه فيستعبده ، وينقاد له ، ويذل له ويبقى {من أحب} الناس
إليه .
وإما أن يفتت كبده ، ويقطع دابره ، إن أقام على إساءته إليه ، فإن يذيقه
بإحسانه أضعاف ما ينال منه بانتقامه . ومن جرب هذا عرفه حق المعرفة ، والله هو
الموفق المعين ، بيده الخير كله لا إله غيره ، وهو المسئول أن يستعملنا
وإخواننا في ذلك بمنه وكرمه
وفي الجملة ففي هذا المقام من الفوائد ما يزيد على مائة منفعة للعبد ، في عاجله
وآجله .
السبب التاسع : اذكار الصباح والمساء :
أن
اذكار الصباح والمساء والأدعية النبوية
الشريفة هي حصن للمسلم في كل وقت وزمان.
السبب العاشر : تجريد التوحيد :
وهو الجامع لذلك كله ، وعليه مدار هذه الأسباب . وهو تجريد التوحيد ، والترحل
بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم ، والعلم بأن هذه الآلات بمنزلة
حركات الرياح ، وهي بيد محركها ، وفاطرها وبارئها ، ولا تضر ولا تنفع إلا بإذنه
فهو الذي حسن عبده بها وهو الذي يصرفها عنه وحده ، لا أحد سواه . قال تعالى : (
وَإِن يَمسَسكَ اللهُ بِضُرٍ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدكَ
بِخَيرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضلِهِ ) {ابراهيم 39} .
وقال النبي (صلى الله عليه وسلم) لعبدالله بن عباس رضي الله عنهما : " واعلم أن
الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك ، ولو
اجتمعوا على أن يضروك بشئ لم يضروك إلا بشئ كتبه الله عليك " .
فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه ، وكان عدوه أهون عليه من
أن يخافه مع الله ، بل يفرد الله بالمخافة ، وقد أمنه منه ، وخرج من قلبه
اهتمامه به واشتغاله به وفكره فيه ، وتجرد لله محبة وخشية وإنابة وتوكلاً
واشتغالاً به عن غيره ، فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه وخوفه منه واشتغاله به
من نقص توحيده ، وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل . والله يتولى حفظه
، والدفع عنه ، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا فإن كان مؤمناً ، فالله يدافع
عنه ولابد ، وبحسب إيمانه يكون دفاع الله عنه ، فإن كمل إيمانه كان دفع الله
عنه أتم دفع ، وإن مزج مزج له ،وإن كان مرة ومرة فالله له مرة ومرة ، كما قال
بعض السلف : " من أقبل على الله بكليته أقبل الله عليه جملة ، ومن أعرض عن الله
بكليته أعرض الله عنه جملة ، ومن كان مرة ومرة فالله مرة ومرة " .
فالتوحيد حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين ، قال بعض السلف : " من
خاف الله خافه كل شئ ، ومن لم يخف الله أخافه من كل شئ " .
فهذه عشرة أسباب يندفع بها شر الحاسد والعائن والساحر ، وليس له أنفع من التوجه
الى الله ، وإقباله عليه ، وتوكله عليه ، وثقته به ، وإن لا يخاف معه غيره ، بل
يكون خوفه منه وحده ، ولا يرجو سواه بل يرجوه وحده ، فلا يعلق قلبه بغيره ، ولا
يستغيث بسواه ، ولا يرجو إلا إياه ، ومتى علق قلبه بغيره ، ورجاه وخافه وُكِل
إليه وخُذل من جهته ، فمن خاف شيئاً غير الله سُلط عليه ، ومن رجا شيئاً سوى
الله خذل من جهته وحرم خيره .
هذه سنة الله في خلقه ، ولن تجد لسنة الله تبديلاً .
للعلامة ابن القيم الجوزيه
|